الكاتب د سائد عساف

تحقيق في ثلاث فرضيات تفسّر واحدة من أعقد علاقات النفوذ في العالم

في قلب الجدل العالمي حول مراكز القوة والنفوذ، تبرز العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل كواحدة من أكثر العلاقات إثارة للأسئلة. علاقة تبدو أحيانًا كتحالف استراتيجي متين، وأحيانًا كارتباط غير متكافئ، وأحيانًا كشبكة نفوذ تتجاوز حدود الدول نفسها.

السؤال الذي يتكرر في الأوساط السياسية والإعلامية: من يتحكم فعليًا؟ أمريكا أم إسرائيل؟

هذا التحقيق يستعرض فرضيتين شائعتين في تفسير العلاقة، ثم يقدّم فرضية ثالثة مختلفة جذريًا—”نظرية الوقواق”—التي تقترح أن الطرفين ليسا سوى أدوات داخل منظومة أعمق.

الفرضية الأولى: إسرائيل أداة أمريكية في الشرق الأوسط

وفق هذا التصور، تُعد إسرائيل قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية في منطقة مضطربة.تتلقى إسرائيل دعمًا ماليًا سنويًا ثابتًا يبلغ 3.8 مليار دولار، وتتمتع بعلاقات عسكرية واستخباراتية وثيقة مع واشنطن، تصل إلى حد إشراف القيادة المركزية الأمريكية على بعض المنشآت أو البرامج العسكرية الإسرائيلية.

من هذا المنظور، تُستخدم إسرائيل كمنصة استراتيجية لحماية المصالح الأمريكية في ملفات الطاقة، أمن الممرات البحرية، وموازين القوى الإقليمية.هذا الطرح تبنّته أطراف عديدة، خصوصًا داخل محور المقاومة، حيث قدّم السيد حسن نصر الله مرارًا إسرائيل كأداة أمريكية تنفّذ مشروع واشنطن في المنطقة.لكن بعد التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، برز خطاب إيراني جديد يشير إلى أن إسرائيل هي من ورّطت أمريكا في الهجوم على إيران، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود السيطرة الأمريكية على القرار الإسرائيلي.

تحديات هذه الفرضيةرغم قوتها، تواجه الفرضية أسئلة صعبة:لماذا تتخذ إسرائيل أحيانًا قرارات تُحرج واشنطن أو تتعارض مع مصالحها؟هل العلاقة تبعية مطلقة؟أم شراكة غير متكافئة تسمح لإسرائيل بهامش مناورة مستقل؟الفرضية الثانية: أمريكا رهينة للوبي الصهيوني

على الطرف المقابل، يرى محللون أن إسرائيل ليست أداة أمريكية، بل فاعل داخلي يعيد تشكيل القرار الأمريكي من الداخل عبر جماعات الضغط، وعلى رأسها أيباك.

تشير تقارير عديدة إلى أن أكثر من نصف أعضاء الكونغرس يتلقون دعمًا مباشرًا من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وأن شخصيات ذات توجهات صهيونية متشددة تشغل مناصب حساسة في وزارتي الخارجية والدفاع، وفي مؤسسات إعلامية كبرى.هذا الطرح يتبناه عدد من الأكاديميين والصحفيين الأمريكيين المؤثرين، مثل:تاكر كارلسونكانديس ،أوينزجون ميرشايمر،جيفري ساكس،الضباط المتقاعدون، دوغلاس ماكغريغور ،وسكوت ريتر،هؤلاء يرون أن المال السياسي، وشبكات النفوذ، والتمويل الانتخابي، تجعل من اللوبي الصهيوني قوة قادرة على توجيه السياسة الخارجية الأمريكية بما يخدم إسرائيل.

أسئلة تطرحها هذه الفرضية

هل المال السياسي يُفرغ الديمقراطية الأمريكية من مضمونها؟هل اللوبي الصهيوني هو الوحيد الذي يمتلك هذا النفوذ؟أم أنه جزء من منظومة أوسع تشمل لوبيات النفط والسلاح والتكنولوجيا؟هل إسرائيل فاعل داخلي مستقل، أم مجرد أداة ضمن شبكة مصالح أكبر؟

الفرضية الثالثة: نظرية “الوقواق”لا أمريكا تتحكم بإسرائيل… ولا إسرائيل تتحكم بأمريكا

هذه الفرضية تخرج من إطار الثنائية التقليدية، وتقترح أن الطرفين—أمريكا وإسرائيل—ليس أحدهما سيدًا مطلقًا على الآخر، بل كلاهما جزء من منظومة نفوذ عابرة للحدود.

1. طائر الوقواق: استعارة لفهم المنظومةطائر الوقواق لا يبني عشًا، بل يضع بيضه في أعشاش طيور أخرى.عندما يفقس البيض، يقوم الفرخ بالتخلص من بقية البيوض والفراخ، بينما تواصل الأم الحقيقية—المخدوعة—إطعامه حتى يكبر ويتجاوز حجمها.هذه الصورة تُستخدم هنا كاستعارة لمنظومة نفوذ تضع “بيضها” في أعشاش الدول، وتستخدم مواردها لخدمة مشروعها الخاص.

2. عبد الوهاب المسيري: الجماعات اليهودية كـ”مقدّمي خدمات”يقدّم الباحث عبد الوهاب المسيري مفهومًا مهمًا:أن الجماعات اليهودية تاريخيًا عرضت خدماتها على السلطات الحاكمة، وكانت مستعدة للقيام بأدوار لا ترغب السلطة في القيام بها مباشرة، مثل:إدارة الربا،إدارة شبكات الدعارة،الوساطة المالية والتجارية،بهذا المعنى، لم تكن الجماعات اليهودية مركز السلطة، بل أداة تنفيذية للسلطات.

3. هرتزل وعرض “الخدمات” على القوى الكبرى

في بدايات القرن العشرين، كان ثيودور هرتزل يعرض خدمات اليهود على أكثر من طرف:على بريطانياوعلى ألمانياوسعى لمقابلة الإمبراطور الألماني في إسطنبول واقترح إنشاء كيان يهودي يعمل كـ”مكتب عقاري” تابع لألمانيا.بعد الحرب العالمية الأولى، خسر المحور، وانتصر الحلفاء، فتولت بريطانيا تنفيذ المشروع.

4. من يحكم فعليًا؟ منظومة فوق وطنية

وفق نظرية “الوقواق”، هناك شبكة متنفذين تتحكم في أمريكا وإسرائيل ودول أخرى، عبر أدوات مالية وسياسية وإعلامية.هذه الشبكة تشمل:عائلات مالية كبرى مؤسسات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي شبكات إعلامية وثقافيةأدوات ضغط عابرة للحدود.هذه المنظومة تضع “بيضها” في أعشاش الدول، وتستخدم قوتها الاقتصادية والعسكرية لخدمة مشروعها.

5. دور إسرائيل داخل هذه المنظومةفي هذا التصور، إسرائيل ليست مركز القرار، بل أداة تنفيذية مركزيةتدير شبكات النفوذ والابتزازتنصب الأفخاخ تقدّم الرشاوى وتستخدم أدوات شرعية وغير شرعية فتبدو وكأنها هي من يدير الدفة، بينما هي في الواقع جزء من منظومة أكبر.

6. استعمار ناعم يعيد تشكيل الداخلهذه النظرية تتحدث عن استعمار ناعم يعيد تشكيل:الاقتصادالإعلام

الثقافةالرموز الدينيةوحتى البنية الداخلية للدولليس فقط في الدول الضعيفة، بل حتى في الولايات المتحدة نفسها.

خاتمة: فرضيات متعارضة أم طبقات متداخلة؟

قد تبدو الفرضيات الثلاث متناقضة، لكنها في الواقع قد تشكل طبقات متداخلة:إسرائيل أداة أمريكية في سياقات معينةوفاعل داخلي مؤثر في القرار الأمريكي في سياقات أخرى وواجهة لمنظومة فوق وطنية في سياقات ثالثة.

السؤال الأهم لم يعد: من يتحكم؟ بل:كيف يُعاد تشكيل مفهوم التحكم نفسه في عصر الشبكات والرموز؟