فاتنة علي_سورية الكبرى_لبنان

في خضمّ الحروب والتحولات الدولية المتسارعة، يعود الحضور البريطاني إلى منطقة الخليج بصورة لافتة بعد سنوات من الغياب النسبي، لا سيما على مستوى المبادرة السياسية والعسكرية المباشرة.

هذه العودة تثير تساؤلات جوهرية: لماذا تعود United Kingdom الآن؟ وعلى أي عناصر قوة ترتكز في هذا التوقيت الحرج؟ وهل ما نشهده هو تحرك تكتيكي عابر، أم بداية إعادة تموضع استراتيجي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية؟

عندما أعلنت لندن عن توجهها نحو إنشاء تحالف جديد يضم ثلاثين دولة، بينها دول عربية، بدا واضحًا أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل منظومات النفوذ والتحالف.

لكن ما الذي يدفع إلى ولادة أحلاف جديدة بينما تتراجع تحالفات تقليدية كانت إلى وقت قريب تمثل العمود الفقري للتوازنات الدولية؟ وهل يعكس ذلك تبدلًا في موازين القوى أم تغيرًا في طبيعة التهديدات نفسها؟جاء التبرير البريطاني معلنًا أن الهدف من هذا التحالف هو حماية الملاحة الدولية وضمان أمن Strait of Hormuz، ذلك المضيق الذي أصبح واحدًا من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بل إنه بات يُنظر إليه بوصفه العقدة المركزية في معادلة الطاقة العالمية.

فرغم أن هرمز ممر مراقب ومغلق أمنيًا إلى حدّ بعيد، ورغم الانتشار البحري الكثيف في محيطه، فإن المخاطر التي تحيط به ما زالت قادرة على تهديد حركة الملاحة الدولية، ما يطرح سؤالًا مهمًا: إذا كان المضيق تحت هذا القدر من الرقابة والإغلاق الأمني، فلماذا لا تزال القوى الكبرى تتعامل معه كأنه خاصرة رخوة في النظام الاقتصادي العالمي؟ وهل يكشف ذلك حدود السيطرة العسكرية التقليدية أمام التعقيدات الجيوسياسية الجديدة؟غير أن أي قراءة متوازنة للمشهد تقتضي الاعتراف بأن Iran تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره جزءًا من أمنها القومي وامتدادًا طبيعيًا لسيادتها الجغرافية والاستراتيجية.

فمن حق إيران، كدولة مطلة على هذا الممر الحيوي، أن توظف موقعها الجغرافي لحماية أمنها الوطني وتعزيز مكانتها الإقليمية وإثبات حضورها كقوة فاعلة في غرب آسيا. فالدول الكبرى نفسها تبني نفوذها على الجغرافيا والممرات الحيوية، فلماذا يُنظر إلى أي تموضع إيراني في محيط هرمز باعتباره تهديدًا، بينما يُقدَّم الوجود الغربي بوصفه ضمانة للاستقرار؟

أليس هذا التناقض جزءًا من الصراع على تعريف الشرعية الجيوسياسية في المنطقة؟ ثم أليس من الطبيعي أن تسعى طهران إلى تثبيت معادلة ردع تجعل من موقعها البحري عنصر قوة يحمي مصالحها في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية؟

ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل التحالفات الجديدة التي تُطرح تحت عنوان حماية الملاحة تستهدف فعليًا حماية الممرات الدولية، أم أنها تهدف إلى تقليص هامش النفوذ الإيراني ومنع طهران من تحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر تأثير استراتيجي؟ وإذا كان المضيق يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، فمن يملك حق إدارة أمنه: الدول المطلة عليه أم القوى الدولية التي ترتبط مصالحها الاقتصادية به؟

في موازاة ذلك، برز التحرك الباكستاني سريعًا بعد الإعلان البريطاني، حيث أرسلت Pakistan تعزيزات عسكرية إلى Saudi Arabia استنادًا إلى اتفاقيات دفاع مشترك، رغم أنها تلعب دور الوسيط في مسارات التهدئة والحوار في المنطقة.

هذا التزامن يثير تساؤلات منطقية: كيف يمكن لوسيط سياسي أن يتحرك عسكريًا في الوقت نفسه؟ وهل كانت إسلام آباد تقرأ ملامح المرحلة المقبلة باعتبارها إعادة اصطفاف استراتيجي لا مجرد تحركات دفاعية منفصلة؟قد يكون ذلك صحيحًا إلى حدّ بعيد؛ لأن الدول التي تمتلك قراءة مبكرة للتحولات الكبرى تسعى دائمًا إلى تثبيت مواقعها قبل أن تتبلور التوازنات الجديدة.

ومن هذا المنظور، قد يكون التحرك الباكستاني مؤشرًا على فهم مبكر بأن المنطقة تتجه إلى إعادة تموضع شاملة تتداخل فيها المفاوضات مع الاستعدادات العسكرية.لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تصدرت بريطانيا هذا المشهد الآن؟ ولماذا لم تكن United States هي صاحبة المبادرة كما جرت العادة؟

قد تكمن الإجابة في التحولات التي فرضتها الحرب في Ukraine، حيث برزت التكنولوجيا العسكرية البريطانية بصورة واضحة، سواء من خلال تطوير الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة أو عبر دعم أنظمة تسليح أثبتت كفاءة ميدانية عالية. فبعدما قيل إن بعض الصواريخ الحديثة يصعب اعتراضها، أظهرت المواجهات الميدانية أن التطور التكنولوجي قادر على كسر كثير من المسلمات العسكرية السابقة.

وهنا يبرز احتمال مهم: هل تسعى بريطانيا إلى استثمار تفوقها التقني في المجال العسكري لتقديم نفسها كشريك أمني موثوق لدول الخليج في مواجهة التهديدات الجديدة؟

فإذا كانت لندن قد نجحت في تطوير منظومات فعالة منخفضة الكلفة وعالية الدقة، فإن هذا يمنحها فرصة استراتيجية لإعادة التموضع في الخليج بوصفها مزودًا للأمن والتكنولوجيا معًا.

ومن هنا يصبح مشروع التحالف الجديد أكثر من مجرد ترتيب أمني؛ إذ يمكن فهمه بوصفه منصة لإعادة إدخال بريطانيا لاعبًا مؤثرًا في معادلات الردع الإقليمي.كما أن تشابه بعض الأنماط التسليحية المستخدمة في الساحات المختلفة، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط، يعزز فرضية أن المنطقة تدخل مرحلة سباق نوعي في التكنولوجيا العسكرية، الأمر الذي يدفع القوى الإقليمية إلى البحث عن شراكات جديدة توفر لها أدوات ردع أكثر فاعلية.

فهل تسعى بريطانيا من خلال هذا الحضور إلى فرض معادلة تسليحية جديدة تمتد من أوروبا إلى الخليج؟ وهل تصبح هذه العودة مدخلًا لإعادة توزيع النفوذ العسكري في المنطقة؟

كل ذلك يعيدنا إلى جوهر القضية: Strait of Hormuz لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح مركزًا لإعادة تعريف موازين القوى الاقتصادية والعسكرية. فمن يملك القدرة على حماية هذا المضيق أو التأثير في أمنه يمتلك ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد العالمي، لأن أمن الطاقة بات مرتبطًا مباشرة بأمن هذا الممر الحيوي.ومن هنا فإن ما نشهده ليس مجرد حراك دبلوماسي أو عسكري معزول، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النفوذ الدولي في غرب آسيا.

والسؤال الحقيقي ليس لماذا عاد البريطانيون، بل: من الذي سيملك القدرة على فرض معادلة الأمن الجديدة في هرمز؟ وهل سيكون ذلك عبر تحالفات دولية، أم عبر اعتراف متبادل بموازين القوة الإقليمية وعلى رأسها الدور الإيراني؟

يبقى مضيق هرمز أكثر من مجرد نقطة عبور بحري؛ إنه ميدان اختبار حقيقي لمستقبل التوازنات الدولية والإقليمية. وبين التحالفات الجديدة والتموضع الإيراني والعودة البريطانية، تتكشف ملامح مرحلة عنوانها إعادة تعريف القوة والنفوذ في غرب آسيا.

“من يملك الجغرافيا لا يملك الأرض فقط، بل يملك القدرة على صناعة التوازن.”

وهذا هو جوهر المشهد: الصراع حول هرمز ليس صراعًا على ممر مائي، بل على من يملك حق صناعة المعادلة الإقليمية القادمة.