بقلم: سالم أيوب كاتب وصحفي سابق

في حروب العصر الحديث، لا تُكتب الجغرافيا بالحبر، بل بالحديد والنار. وما يُروّج له إعلامياً باسم “حياد خليجي” ليس سوى قناعٍ فضفاضٍ يخفي وجهاً ملطخاً بدماء التواطؤ. فالوقائع الصلبة تتحدث بلغة لا تحتمل التأويل: القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عمق الجزيرة العربية ليست مراكز دفاع، بل منصات هجومية جاهزة للإقلاع في أي لحظة ضد إيران. من البحرين إلى قطر، ومن الكويت إلى الإمارات، تتحول الأراضي الخليجية إلى حاملات طائرات ثابتة، وإلى غرف عمليات مشتركة تخطط لاستهداف سيادة إيران ومشروعها الإقليمي.

كيف لدولة أن تستضيف أحدث منظومات الإنذار المبكر، وأسراب الطائرات المسيّرة، وقواعد الاستخبارات الإلكترونية، ثم تدّعي أنها “على مسافة واحدة” من أطراف الصراع؟ هذا ليس حياداً، بل انخراط كامل تحت غطاء لغوي رخو. الولايات المتحدة لا تملك وجوداً رمزياً في الخليج، بل تملك شبكة قواعد عسكرية تُعدّ الأكثر كثافة في العالم خارج أراضيها. هذه القواعد تزوّد طائراتها بالوقود، وتُمدّها بالبيانات الاستخباراتية، وتُؤمّن لها الملاذات الآمنة بعد كل غارة. إنها شراكة في الدم قبل أن تكون شراكة في الدفاع. وإذ تعلن دول الخليج في مؤتمراتها الصحفية تمسكها بـ”خفض التصعيد”، فإنها في الظل تفتح مجالها الجوي والبحري لأسطول الحرب الأميركية. هذا التناقض الصارخ ليس ضعفاً في الموقف، بل خيانة للجوار وأخلاقيات الأمن الإقليمي. إنّ من يستضيف سلاحاً موجّهاً ضد جاره، هو شريك في الجريمة، حتى لو لم يضع يده على الزناد.

إيران اليوم تواجه طوقاً عسكرياً متكاملاً: من الغرب، قواعد أميركية في العراق وسوريا والخليج؛ من الجنوب، أساطيل حربية في المياه الإقليمية؛ من الشرق، تحركات استخباراتية ونفوذ معادٍ؛ ومن الشمال، ممرات ضغط غير مباشرة عبر القوقاز وآسيا الوسطى. هذا ليس ردعاً دفاعياً، هذا حصار عدواني مُمنهج. وفي مواجهة هذا الخناق، لا تملك إيران إلا خياراً واحداً: تحويل كل نقطة انطلاق للعدو إلى هدف شرعي. عندما يستهدف الحرس الثوري قاعدة “عين الأسد” أو “الحرير”، فإنها لا توسّع الحرب، بل تعيد تعريف مسرحها. القاعدة التي تُستخدم لتخزين الذخيرة، أو لإقلاع الطائرات المسيّرة، أو لإدارة العمليات السيبرانية، تصبح جزءاً من آلة الحرب. وبالتالي، فإن استهدافها ليس تصعيداً عشوائياً، بل تطبيقاً لأبسط قواعد الردع المتكافئ. من يهدد سيادة إيران، سيفقد سيطرته على مواقعه. هذه ليست تهديدات، بل حق أصيل في الدفاع عن النفس يكفله القانون الدولي، وإن تغافلت عنه محاكمه المنحازة.

لا يمكن فصل العدوان الإسرائيلي عن التواطؤ الخليجي. إسرائيل تنفذ الضربات الجوية والاغتيالات والعمليات السيبرانية، بينما توفر لها دول الخليج الغطاء السياسي واللوجستي. الاستخبارات الإسرائيلية تعمل بكل حرية في بعض العواصم الخليجية، وأنظمة الدفاع الجوي الخليجية مربوطة بنظيراتها الإسرائيلية عبر غرف عمليات أيركية مشتركة. هذا ليس تحالفاً معلناً، بل تحالفاً واقعياً أخطر من أي إعلان. وفي مقابل هذا العدوان المتصاعد، ترد إيران بقوة محسوبة. الرد الإيراني على ضرب القنصلية في دمشق، أو استهداف المنشآت النووية، أو اغتيال العلماء، لم يكن خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية. الصمت في ثقافة القوة الإقليمية يعني الاستسلام، والرد المحدود يُفسَّر كدعوة لمزيد من العدوان. لذلك، اختارت إيران معادلة واضحة: كل اعتداء سيقابل بردّ يفوقه في الحجم والأثر، وأي تفوق تقني أو استخباراتي لن يوفر حصانة لأي طرف.

السؤال الذي لا مفر منه: لماذا تراهن دول الخليج على استمرار هذه الشراكة الخطيرة؟ الجواب باختصار: وَهْم الفصل بين الجغرافيا والسياسة. إنها تعتقد أنها تستطيع أن تكون جزءاً من البنية التحتية للحرب الأميركية، دون أن تدفع ثمن ذلك على أرضها. لكن التاريخ العسكري يثبت العكس: أي إقليم يُستخدم كنقطة انطلاق للهجوم يصبح بسرعة هدفاً للرد.

حرب الخليج الثانية، وأحداث 2003 في العراق، واليمن اليوم، كلها شواهد على أن الدول التي تستضيف قواعد أجنبية لا تخرج من الصراع سالمة. هذا الرهان الخليجي لا يؤجل الحرب فحسب، بل يصبّ الزيت على نارها. فطالما هناك قواعد وخلفيات آمنة للعدوان، سيزداد الطرف المعتدي جرأة، وستُسدّ الأبواب أمام أي حل دبلوماسي حقيقي. إيران، من جهتها، ستواصل تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وستوسع دائرة أهدافها لتشمل كل موقع له دور في التهديد، سواء كان في تل أبيب أو أبو ظبي أو الدوحة.

الحل ليس في المزيد من التسلح أو البيانات الدبلوماسية الفضفاضة.

المخرج الوحيد هو اعتراف صريح من دول الخليج بأنها جزء من المشكلة، ثم اتخاذ خطوات عملية لتفكيك هذا التواطؤ: إغلاق القواعد الأجنبية، وفك الارتباط الاستخباراتي مع إسرائيل، والانضمام إلى ميثاق إقليمي للأمن الجماعي بعيداً عن الهيمنة الخارجية. أما الاستمرار في سياسة “الحياد المعلن والانخراط الخفي”، فهو وصفة أكيدة لحرب إقليمية شاملة لا ترحم أحداً.وهنا، وبصفتي سياسياً يحلل الوقائع بعيداً عن الشعارات، أسأل نفسي: إلى أين تتجه هذه الحرب؟

بعد متابعة دقيقة لسلوك الأطراف خلال الأعوام الأخيرة، أرى أننا لا نسير نحو حرب شاملة كلاسيكية، بل نحو ما يمكن تسميته بـ”حرب التمثيل الصامت” أو “الاستنزاف المتبادل الدائم”.

إيران تعلم أنها لا تستطيع مواجهة القوة الجوية الأميركية في معركة مفتوحة، وأميركا تدرك أن أي حرب برية ضد إيران ستكون مستنقعاً أسوأ من فيتنام وأفغانستان. إسرائيل تريد تدمير المشروع النووي والإقليمي الإيراني، لكنها تخشى رداً صاروخياً يحرق مدنها.

والخليج يريد أماناً أميركياً دون ثمن، لكنه يخشى أن يصبح ساحة للتصفية.في هذا المأزق، لن تشتعل حرب كبرى بإعلان، بل سنشهد تصعيداً متدرجاً لا نهاية له: اغتيالات هنا، ضربات سيبرانية هناك، استهداف ناقلات نفط، وقواعد عسكرية تتعرض لصواريخ ومسيرات بين الحين والآخر. كل طرف سيختبر حدود الآخر، ثم يتراجع قليلاً، ثم يعاود الكرّة بقوة أكبر. هذا النمط لن يفضي إلى سلام، بل إلى إرهاق مزمن. إيران، التي تعوّدت على العيش تحت العقوبات والحصار، قد تتحمل هذا الاستنزاف أطول من غيرها، لأنها بنت اقتصاد مقاومة وعقيدة ردع تقوم على تحمّل الألم.

أما الخليج، الذي بنى رفاهيته على هشاشة أمنية مستوردة، فقد يكون الأكثر انكساراً عندما تتحول فنادقه الخمس نجوم إلى مراكز إيواء للنازحين من حرب بالوكالة على أرضه.لكن السيناريو الأخطر، الذي يتجاهله الجميع، هو أن هذا الاستنزاف قد يولد فجأة “خطأً محسوباً” – طائرة بدون طيار تخترق مجالاً جوياً بالخطأ، صاروخ يسقط على مدرسة، أو اغتيال لقائد كبير – فينهار كل الردع، وتنزلق المنطقة إلى حرب لا يريدها أحد، لكن لا أحد يستطيع إيقافها. في تلك اللحظة، سيكتشف الخليج أن حياده لم يكن سوى سراباً، وأن القواعد الأمريكية لن تحميه بل ستجعله هدفاً أكبر. وسيكتشف الإسرائيلي أن تفوقه التكنولوجي لا يصمد أمام صواريخ تتساقط كالمطر. وستكتشف أميركا أن قوتها لا تشتري النصر في منطقة تعشق الصمود، وهذا ما تشهده المنطقة الآن.

لهذا، أعتقد أن المستقبل القريب لن يحمل حلاً، بل سيمتد الألم. الحرب الحقيقية ليست ما نشاهده على الشاشات، بل ما يُبنى بصمت: أنفاق تحت الأرض، صواريخ في صوامع، وقلوب تمتلئ غيظاً. والنصر النهائي لن يكون لأحد، بل سيكون للجهة التي تتعلم أولاً أن السلام ليس عاراً، وأن القوة الحقيقية ليست في قدرتك على تدمير الآخر، بل في قدرتك على ألا تحتاج إلى ذلك. لكن حتى يحدث هذا، سنظل نرقص على حافة الهاوية، وتدور دوائر التصعيد، متسائلين: من سيسقط أولاً؟

إيران ليست دولة توسعية، ولا تسعى إلى حرب شاملة. هي دولة محاصرة تحاول كسر طوقها بأقل الخسائر. ردودها، مهما بدت حادة، ليست بداية للحرب، بل انعكاس مباشر لها. ومن يقرأ المشهد دون أوهام، سيدرك أن الخليج اليوم ليس “خارج الصراع”، بل في قلبه. والسؤال الذي سيسجله التاريخ: هل كانت هذه الدول شريكاً في إطفاء الحرائق، أم في إشعالها؟ في زمن تتحدث فيه الوقائع بصوت أعلى من التصريحات، تبقى الحقيقة الوحيدة: من يزرع الرياح في جوار إيران، سيحصد حتماً الزوابع. وأما نحن المراقبون، فلن يبقى لنا سوى أن نمسك بأيدينا على قلوبنا، وننتظر.