تجلّيات المواجهة بين جبهة المقاومة والحلف الصهيواميركي
تقدير موقف
زياد حافظ *
*رئيس منتدى سيف القدس والامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

رغم ان الحرب لم تضع اوزارها حتى الساعة فإن النتائج النهائية للمواجهة العسكرية بين الجمهورية الاسلامية في إيران ومكوّنات جبهة المقاومة من جهة والتحالف الاميركي الصهيوني من جهة اخرى فإنه من الممكن استخلاص عدّة اعتبارات اساسية وإن كان البعض ما زال يعتبرها مبكرة.
أولا- تكريس اختلال موازين القوّة في الاقليم والعالم
ومن الواضج أن موازين القوّة التي كانت مختلّة قبل العدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران لصالح القوى المناهضة لليهمنة الاميركية في العالم إلاّ انها كانت تواجه سردية معاكسة للواقع. فجاءت المواجهة الحالية لتكرّس اختلال موازين القوّة لصالح جبهة المقاومة في الاقليم ولصالح القوى المناهضة لليهمنة الاميركية في العالم دون أن تستطيع السردية الغربية مخالفة النتائج في الميدان وذلك رغم الضخّ الاعلامي الكاذب والتعتيم على ما يحصل في الخليج والكيان المؤقت. فمن الواضح أن ثقل الجغرافيا والتاريخ كان عاملا اساسيا في تكريس الاختلال في موازين القوة. فمنطقة غرب آسيا من ناحية الموقع الجغرافي والمساحة والكثافة السكاّنية والحضارة التاريخية كانت حاسمة في ابراز تفاهة امكانية تفوق كيان استيطاني استعماري لا يملك لا المساحة الجغرافية ولا الكثافة السكّانية ولا التاريخ الذي يربطه بالارض ليحكم المنطقة. كما أن كامل الدعم له من وراء البحار لم يستطع تغيير واقع الجغرافيا والتاريخ. هذا من جهة، أما من جهة اخرى فإن انكسار موازين القوّة لصالح مكوّنات جبهة المقاومة هو ناتج عن الانحطاط الحضاري لدى الكيان المؤقت وداعمه الاستراتيجي أي الولايات المتحدة. ففائض القوّة التي كانت تملكه في السلاح والعلم والاقتصاد تبدّد بسبب فائض الاخطاء التي ارتكبها الغرب بشكل عام والولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني بشكل خاص. فمع الانحطاط الحضاري والسياسي والاقتصادي والعسكري برزت قيادات من النوع الرديء في العلم، والفهم، والاخلاق، فكان حزب ابشتين الحاكم بأمره!. فالاخطاء في الخيارات والسياسات والاستراتيجيات كانت مبنية على أوهام واستكبار وجهل أدّت إلى نتائج كارثية بالنسبة لذلك التحالف الصهيواميركي والذي قد يصل إلى زوال الكيانين في الحد الاقصى أو إلى انحسار نفوذهما بشكل كبير في الحد الادنى ما يتيح لشعوب المنطقة أن تنطلق في نهضتها التي تستحقها بعد قرون من الاذلال والتراجع.
الضربات العسكرية والاقتصادية والعزلة السياسية التي يتلقّاها التحالف الصهيواميركي أدّت إلى هزيمة استراتيجية وإن لم تنته المنازلة. فبغض النظر عما ستكون نهاية تلك المنازلة فالخسارات التي الحقت بالتحالف لن تعوّض. وسوء التقدير في الخيارات والسياسات والاستراتيجيات كشفت العورات في البنى التحتية العسكرية والاقتصادية وحتى السياسية في كل من الولايات المتحدة والكيان المؤقت التي لا تمكّن نجاح الخيارات والسياسات والاستراتيجيات. فعلى الصعيد العسكري مثلا، ورغم التفوّق النظري بالقوّة النارية التدميرية لدى التحالف فإن الكيان المؤقت والولايات المتحدة تخوض الحرب بعقلية حروب القرن العشرين التي ترتكز على القوّة المفرطة بينما مكوّنات جبهة المقاومة تخوض المنازلة بعقل القرن الحادي والعشرين في التفوّق بالحرب اللامتكافئة وبإمكانيات أقلّ كلفة تجعلها قادرة على نالخوض في منازلة طويلة المدى.
ثانيا- تراجع نفوذ القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة في الإقليم وسقوط الاتفاقيات الابراهيمية والتداعيات في السودان وليبيا ولبنان وسورية والاردن.
يعتقد بعض المحلّلين المتغرّبين في الوطن العربي أنه من الصعب التصوّر أن الدول التي كانت تابعة للقرار الأميركي منذ السبعينات من القرن الماضي وخاصة في دول الجزيرة العربية باستثناء اليمن اليوم، تستطيع أن تخرج عن العباءة الاميركية. لا نشكّك في مدى تبعية تلك الدول حتى الماضي القريب لكن لا يمكن تجاهل ارهاصات عديدة في التحوّل في الخيارات خاصة بعد فشل السلاح الاميركي في حماية المنشئات النفطية في بلاد الحرمين خلال عدوان التحالف الغربي العربي على اليمن، ما جعل قيادات بلاد الحرمين تتقرّب من روسيا والصين وحتى الجمهورية الاسلامية في أيران. كما أن العزوف عن تسعير برميل النفط شكّل انعطافا استرايتيجيا لا يخدم مصالح الولايات المتحدة وخاصة فيما يتعلّق بمستقبل دور الدولار في العالم. بالمقابل فإن الموقف الملتبس لدول الخليج وبلاد الحرمين تجاه العدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران قد يعزّز المأزق التي تعيشه هذه الدول بالنسبة لضرورة حسم خياراتها الاستراتيجية تجاه الولايات المتحدة والسياسات الناتجة عنها.

فلا يجب ان يغيب عن البال ان حجم الانكشاف المالي لهذه الدول تجاه الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا يقارب حسب العديد من التقديرات بين 2 و3 تريليون دولار. فليس من السهل التخلّي عن تلك الاموال سواء كانت عائدة للحكومة أو لأفراد العائلات الحاكمة خاصة أنها لا تنسى وضع اليد على اموال أكبر دولة نووية في العالم، اي روسيا، أبان العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا. وما يعزّز الالتباس أو الارتباك في القرار الخليجي هو التسريبات الصهيواميركية التي تزعم عن تحريض خليجي على التصعيد العسكري الاميركي للقضاء على ما تبقّى من القدرات الايرانية. ليس هناك ما يؤكّد صحّة تلك التسريبات ولكن من الواضح أنها لا تنسجم مع مسار قرارات استراتيجية اتخذتها هذه الدول فيم يتعلّق بخياراتها وسياساتها في الإقليم وفي العالم. فهذه الحكومات كانت شاهدة على العجز العسكري الصهيواميركي في الدفاع عن مصالحها ما يطرح على الطاولة جدوى وجود القواعد العسكرية الاميركية في الجزيرة العربية وجدوى الاتفاقات الابراهيمية التي عقدت خلال الولاية الاولى لترمب. وتصريحات رئيس الاستخبارات السابق تركي الفيصل لإحدى القنوات الاميركية أعتبر أن التطبيع أصبح من الماضي ولا سوق له في المدى المنظور. فزمن نظرية امتلاك الولايات المتحدة لتسعة وتسعين بالمئة لأوراق اللعبة قد ولى إلى غير رجعة وأن استرضاء الاميركي لم يعد له اية قيمة وخاصة ضرورة المرور بالبوّابة الصهيونية.
بالمقابل أصبح مستقبل الاسر الحاكمة على المحك. هل هناك امكانية لاستمرار حكم تلك الاسر بعد سقوط وهم الحماية الاميركية؟ الاجابة على هذه السوءال يعكس تطلّعات المجيب وبالتالي مقاربة الموضوع تتطلّب قراءة دقيقة لموازين القوّة داخل كل قطر عربي معني بمعالجة تداعيات الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني المؤقت. ولا يمكن اغفال الخسائر المادية والمعنوية التي تكبدّتها دول الجزيرة العربية. فضرب المصالح النفطية والغازية لهذه الدول وفقدان السيطرة على الممرّات البحرية في مضيق هرمز وباب المندب كانت أيضا ضربة لقدراتها السياسية في التأثير على المشهد العربي وخاصة في دورها في إشعال الفتن في عدد من الاقطار العربية كالسودان وليبيا وحتى في سورية إضافة إلى التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي. فنتائج الحرب على الجمهورية الاسلامية في إيران ومكوّنات جبهة المقاومة ستكون داخلية كما عربية وإقليمية ودولية.
ثالثا- احتمالات كبيرة للتغيير غرب آسيا بشكل لا يخدم مصالح الكيان والولايات المتحدة.
هذا يأخذنا إلى استنتاج جيوسياسي كبير أن احتمالات التغيير السياسي في الشكل والمضمون لدول غرب آسيا أصبح مطروحا. ومن مفارقات الدهر أن الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة روّجوا لتغيير الخارطة الجيوسياسية لغرب آسيا عبرتوسيع الرقعة الجغرافية الخاضعة للكيان الصهيوني وألغاء كافة القوى التي تعترض على ذلك. الغاء حدود سايكس بيكو طرحها بشكل واضح رئيس وزراء الكيان وردّدها المبعوث الاميركي لتركيا ولبنان وسورية توماس براك! لكن لم تجر الرياح كما اشتهت السفن الصهيواميركية. فهناك تغيير في الخارطة الجيوسياسية سيحصل ولكن ليس وفقا لتطلّعات الحلف الصهيواميركي. فالحكومات العربية التي تماهى مع الاملاءات الاميركية والصهيونية أصبحت عاجزة عن الاستمرار ما يجعل خروجها من المشهد السياسي العربي والاقليمي امرا مطروحا على بساط البحث.
ومن المرتقب أن يكون المطلب العربي الاساسي انهاء وجود القواعد العسكرية الاجنبية في كافة الاقطار العربية التي اوجدت نظريا لحماية هذه الدول ولكن تبيّن أنها لحماية الكيان الصهيوني فحسب. وسيرافق هذا المطلب تفعيل الاتفاقيات العربية التي ابرمت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي من اتفاقيات الدفاع المشترك إلى السوق العربية إلى سائر الاتفاقات التي تصبّ في إطار التشبيك الاقتصادي والسياسي العربي. هذا يتطلّب مصالحة داخلية في العديد من الاقطار العربية وبين الاقطار العربية التي مزّقتها خلافات من صنع الاستعمار والصهيونية. كما أن اتفاقيات الدفاع المشترك ستكون نقطة ارتكاز لمنظومة الامن القومي العربي الذي يتكامل مع منظومة الامن الاقليمي بعيدا عن التدخلات الخارجية سواء جاءت من الغرب أو الشمال أو الشرق أو الجنوب. والامن الاقليمي يضم كل من تركيا والجمهورية الاسلامية في إيران واثيوبيا على قاعدة الندّية والاحترام المتبادل. فالامن لا يتجزّاء ولا يمكن أن يكون على حساب أي طرف بغض النظر عما تكون موازين القوّة. والامن الاقليمي والقومي العربي المتكاملان يتطلّبان الاستقرار في الوطن العربي والإقليم. لذلك، فإن الكيان الصهوني المؤقت هو يعزّز عدم الاستقرار وبالتالي لا مكان له وأن كان عدم بقاء الكيان أصبح أمرا مطروحا. بالمناسبة، هذه الرؤية هي في صلب ادبيات المؤتمر القومي العربي منذ تأسيسه سنة 1990 وفي منشورات مركز دراسات الوحدة العربية.

فالاستشراف كان دقيقا ونرى ارهاصاته تتحقق.
وتفعيل الاتفاقيات المذكورة قد يفضى إلى بروز اربع تكتلات جغرافية موحدة ومتجانسة اولاها كتلة بلاد الرافدين وبلاد الشام بما فيها فلسطين المحرّرة. الكتلة الثانية ستكون كتلة دول الجزيرة العربية بغض النظر عن بقاء أو اختفاء بعض المشيخات والمملكات. الكتلة الثالثة ستكون من دول وادي النيل والقرن الإفريقي كمصر والسودان وصوماليا واريثريا. أما الكتلة الرابعة فستكون كتلة دول المغرب الكبير. هذه ليست تمنّيات أو احلام بمقدار ما هي ناتجة عن قراءة استشرافية لمسار التحوّلات الكبرى في العالم كصعود الكتلة الاوراسية وكتلة دول الجنوب الاجمالي. فعصر دول-الامة سيتحوّل إلى عصر دول الحضارة وهذا ما نجده في التكتلات الاربعة المذكورة كما أن موازين القوّة الاقتصادية والسياسية والامنية ستفرض وجود هذه التكتلات. فلا مكان للدولة القطرية التي اوجدها المستعمر الاوروبي والتي حمتها فيما بعد الامبريالية الاميركية.
رابعا- احتمال دخول الدول العربية في العصر النووي والصواريخ البالستية
من الدروس التي يمكن استخلاصها من العدوان الاميركي الصهيوني هي لولا كانت الجمهورية الاسلامية في إيران تمتلك السلاح النووي لما كان العدوان. وما يعزّز هذا الاستخلاص حال كوريا الشمالية التي لا تمتلك المعرفة النووية فحسب بل السلاح النووي وبالتالي مهما بلغ العداء لها من قبل الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة فإن تلك الدول لم تتجرّا على مهاجمتها حتى الساعة. أما بالنسبة للجمهورية الاسلامية في إيران فامتلاك المعرفة النووية وحتى المعرفة في صنع الصواريخ الباليستية لم يحمها من العدوان وإن استطاعت الدفاع عن نفسها وتكبيد قوى العدوان خسائر لا تستطيع تعويضها. فالسلاح النووي وظيفته الردع وليس الاستعمال. وبالتالي هناك قراءات عديدة تفضي أن الفتوى التي حكمت الجمهورية الاسلامية في إيران لعدم امتلاك السلاح النووي قد تتغيّر. هذا يعني أن دول الاقليم ستضطر إلى مراجعة التزاماتها في اتفاقية عدم انتشار السلاح النووي. فإما يتمّ نزع وتفكيك الترسانات النووية في كل الدول وخاصة في الكيان المؤقت والدول الغربية التي تمتلك ذلك السلاح وإما أن يصبح امتلاك السلاح النووي حقّا لجميع الدول التي كان يستهدفها المستعمر الغربي والامبريالية الاميركية.
من دروس الحرب اللامتكافئة بين الطرف الاميركي الصهيوني والجمهورية الاسلامية في إيران وجبهة المقاومة في الوطن العربي هي ان امتلاك سلاح الطيران بمفهومه التقليدي لم يعد خيارا استراتيجيا أساسيا. فالحرب في شرق اوروبا وفي غرب آسيا برهنت أن حروب القرن الحادي والعشرين لا تخاض بالسلاح التقليدي الذي ساد القرن العشرين. فالصواريخ البالستية والفارقة للصوت مع اسراب المسيّرات القليلة الكلفة ودقيقة الاستهداف غيّرت موازين القوّة العسكرية. فصناعت المسيّرات والصواريخ ستصبح صناعات عربية وإقليمية لا تقلّ خطورة وفعّالية عن السلاح الغربي المكلف للغاية. والمواجهة بين الباكستان والهند في صيف 2025 أفضت إلى تفوّق السلاح الشرقي الصناعة لدى باكستان على السلاح الغربي المملوك لدى الهند وخاصة في مجال القتال الجوّي.
والوطن العربي دخل فعليا عبر مقاومته في كل من لبنان وفلسطين والعراق واليمن عصر الصواريخ والمسيّرات ونعتقد أن الدول العربية ستلتحق بذلك ما يغيّر بشكل كبير موازين القوّة العسكرية في العالم حيث التبعية للدول العظمى ستكون أقّل بكثير عما كانت عليه حتى الساعة. وهنا لا بد من الاشارة والتأكيد أن النهضة العلمية في الوطن العربي ستكون من نتائج العلوم العسكرية والدفاعية اسوة بما حصل في الغرب وعبر تاريخ البشرية. فتصنيع السلاح يستوجب عقول علمية ولذلك كان الاستهداف المعرفي العلمي للعلماء في العراق وسورية ومصر من أهداف التحالف الصهيواميركي. وبالتالي فإن التحرّر من ذلك التحالف هو خطوة اساسية في الاستقلال المعرفي وبالتالي للنهضة العربية التي ستتعزّز عبر وحدة الاقطار والشعوب العربية.
خامسا- اضطرابات كبيرة في الولايات المتحدة ونهاية الامبراطورية الاميركية ونهاية حقبة المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني.
معركة مضيق هرمز هي لحظة تسريع نهاية الامبراطورية الاميركية اسوة بما حصل في السويس سنة 1956 بالامبراطورية البريطانية. وتـأتي هذه المعركة على اعقاب فشل الولايات المتحدة في كل من ادارة بايدن وبداية الولاية الثانية لترمب من السيطرة على باب المندب وعلى الممرّات البحرية التي كانت حتى الماضي القريب العمود الفقري للسيطرة البحرية للامبراطورية الغربية، البريطانية سابقا والاميركية لاحقا. فخسارة معركة السويس في 1956 افضت إلى تفكّك الامبراطورية البريطانية والفرنسية وخسارة باب المندب ومضيق هرمز ستكون نهاية الامبراطورية الاميركية التي بدأت تترنّح منذ أكثر من عقدين.

فالخسارات العسكرية المذلة في كل من العراق وافغانستان وحاليا في اوكرانيا وغرب آسيا يؤكّدان على افول القوّة العسكرية التي كانت نقطة ارتكاز للهيمنة الاميركية.
التداعيات في الداخل الاميركي للعدوان الاميركي الصهيوني على الجمهورية الاسلامية في إيران ستكون كبيرة. فلأول مرّة في تاريخ الولايت المتحدة يصبح الشأن الخارجي يوازي الشأن الداخلي في متن الخطاب السياسي. والشأن الخارجي دخل البنية السياسية الاميركية أبان الابادة الجماعية على سكّان غزّة من جرّاء عملية “طوفان الاقصى” التي كان من تداعياته العدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران. فالمظاهرات الصاخبة التي بدأت في الجامعات الأميركية منذ الايام الاولى للإبادة الجماعية في غزة على يد الكيان الصهيوني وبمباركة غربية بشكل عام واميركية بشكل خاص تحوّلت إلى طوفان بشري في الايام الاخيرة قاربت عشر ملايين أميركي يتظاهرون ضد الحرب على إيران. كما ظهرت بشك واضح طروحات تعتبر الكيان الصهيوني عبئا على الولايات المتحدة. كما نلاحظ أيضا رفع يافطات في المظاهرات الضخمة أن “لن نموت من اجيل الكيان”! واستطلاعات الرأي العام في اميركا تجمع على عدم شعبية الحرب حيث نسبة المؤيّدي لا تتجاوز 10 بالمئة وحتى داخل الجالية اليهودية الاميركية حيث الاكثرية لا تؤيّد الحرب. وهناك استطلاعات تشير إلى أن نسبة المؤيّدين للحرب لا تتجاوز 7 بالمئة. كما أن الادارة الاميركية تواجه صعوبات بالغة في تأمين التمويل لإعادة تكوين المخزون الصاروخي والذخائر ما يجعل احتمال استمرار العدوان أمرا مشكوك بأمره ناهيك عن الخسائر والنتائج الكارثية على الصعيد العسكري التي تكبدّتها القوّات الاميركية ونظيرتها التابعة للكيان الصهيوني المؤقّت.
فالولايات المتحدة تواجه ازمة اقتصادية حادة قد تصل إلى حد الاستعصاء على الحلّ. فالأسواق المالية تشهد تراجعا ملموسا ومستديما رغم التصريحات الصادرة عن البيت الابيض ومفادها أن “الامور تحت السيطرة”. فالازمة مزدوجة. من جهة هناك تراجع في الاداء الاقتصادي والتضخم في اسعار الحياة اليومية بدءا من محطّات البنزين ووصولا إلى المواد الغذائية. وارتفاع الاسعار كان قد بدأ قبل العدوان ألاّ أن الاعلام الشراكاتي كان يمارس التعتيم عليها. لكن تغيّرت الاوضاع عند اشتعال أبار النفط والغاز في الخليج وتراجع الملاحة البحرية في مضيق هرمز دون ان تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها في الاقليم تغيير الواقع. فالارتفاع في سعر برميل النفط عالميا ادى إلى ارتفاع الوقود في الولايات المتحدة إلى أكثر من 50 بالمئة والحبل ما زال على الجرّار.
من جهة اخرى نشهد اهتزازا في القطاع المالي الاميركي قد يصل إلى حال الانهيار في سوق سندات الخزينة حيث الاقبال عليها من قبل دول العالم التي تحمل احتياطات نقدية في الدولار يتراجع بشكل ملموس. فاليابان تحمل أكثر من 1،4 تريليون دولار من سندات الخزينة بدأت بتصفيتها لأنها بحاجة إلى سيولة داخلية وأيضا بسبب سوء المعاملة من الرئيس الاميركي لرئيسة مجلس الوزراء اليابان التي زارت مؤخرا وتحمّلت اهانات الرئيس الاميركي. كما أن الدول الاوروبية التي تحمل حوالي 40 بالمائة من اجمالي سندات الخزينة بدّات تخفّف من محفاظاتها المالية وبالتالي تتجنّب الاستجابة لشراء المزيد منها. وهناك بعض الدول الاوروبية كفرنسا والدانمارك طلبت استعادة المخزون الذهبي المودع لدى المصرف الاحتياطي الاتحادي في مدينة نيويورك ما يؤكّد فقدان الثقة بالادارة الاميركية على الصعيد المالي. ولا بد من التذكير بتصريح رئيس لاري فينك رئيس مجلس ادارة بلاك روك كبيرة شركات المحفظات المالية بأن اهتزاز سوق السندات ينذر بانهيار سوق الاسهم المالية. وإذا ما استرجعنا ازمة سنة 2008 في قطاع الرهونات العقارية التي تلازمت مع الاخفاقات العسكرية الاميركية في العراق وبعد هزيمة الكيان الصهيوني في تموز 2006 فإن من قام بتعويم الاسواق المالية الاميركية كان كل من الصين والصناديق السيادية في دول الخليج. الوضع الدولي والعربي سنة 2026 يختلف كلّيا عما كان عليه سنة 2008. فقد تجد الولايات المتحدة من لن ينقذها من الازمة المالية القادمة، وإذا ما أقدمت بعض الدول النافذة على ذلك فإن الثمن السياسي سيكون كبيرا قد لا تتحمّله أدارة ترمب.
لا بد أيضا من التذكير أن حجم الدين العام تجاوز 39 تريليون دولار يضاف إليه الدين الخاص من قبل الشركات والاسر والأفراد الذي تجاوز 50 تريليون دولار ليصبح اجمالي الديون في الولايات المتحدة يقارب 90 تريليون دولار. وهناك تقديرات تضع اجمالي الدين الاميركي إلى أكثر من 100 تريليون دولار. وهناك استحقاقات لستديد ما يوازي 4 تريليون دولار في ربيع هذه السنة ليس من المعروف كيف ستسدّدها الادارة الحالية إذا ما اخذنا بعين الاعتبار الصعوبة في تمويل 200 مليار دولار لأغراض الحرب على إيران!

ومن سخريات ومفارقات الدهر أن هدف تغيير النظام في إيران أدّى إلى استبدال الخامنائي بنجله، كما استبدلت الولايات المتحدة نظام الحكم في افغانستان من حكم الطالبان بتسليم الطالبان الحكم بعد 20 سنة من الاحتلال. وما يمكن ان يحصل، والاحتمال وارد جدا، هو تغيير النظام في الولايات المتحدة خاصة بعد الانتخابات النصفية المرتقبة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل حيث التوقعات لخسارة الحزب الجمهوري في غرفتي الكونغرس الاميركي لصالح الحزب الديمقراطي قد تؤدّي إلى محاكمة وعزل وسجن الرئيس دونالد ترمب!
وأخيرا لا بد من ملاحظة أن تداعيات “طوفان الاقصى” والعدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران على المشهد السياسي في الولايات المتحدة هو التراجع الملحوظ داخل الكونغرس وخارجه لنفوذ اللوبي الصهيوني، والتعاطف المتزايد مع قضية فلسطين والشعب الفلسطيني. هذا ما اكده الرئيس الاميركي دونالد ترمب عندما قال أنه نشأ في بيئة تعتبر انتقاد الكيان الصهيوني حكما يقضي على الحياة السياسية لمن ينتقد. أما اليوم فالتماهي مع الكيان واللوبي الصهيوني اصبح حكما يقض على المستقبل السياسي لأي مرشّح للعمل السياسي. ففلسطين وجبهة المقاومة تحرّر الولايات المتحدة من القبضة الصهيونية كما تحرّر الدول الغربية من التبعية للاملاءات الاميركية والكيان الصهيوني في آن واحد. هذه من تبريكات “الطوفان” على العالم.
أما دور المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني المتحكّم حتى تاريخ قريب بمفاصل القرار السياسي الاميركي داخليا وخارجيا فإن مستقبلهم قاتم حيث راكموا الاخفاقات تلو الاخفاقات وخاصة في المواجهات الاخيرة التي انجرّت اليها إدارة ترمب. فاستطلاعات الرأي العام تحمّل اللوبي الصهيوني مسؤولية الانجرار كما جاء أيضا على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو عندما أقرّ أن الحرب على الجمهورية الاسلامية في إيران هي بسبب ضغط الكيان الصهيوني على الادارة الاميركية.
سادسا- الارتدادات الاقتصادية على الصعيد العالمي (سعر البرميل، انكماش أو كساد، تضخم، بطالة، اضطراب في سلاسل التوريد)
من الواضح ان العدوان الصهيواميركي على الجمهورية الاسلامية في إيران افضى إلى تدهور في أسواق الطاقة عالميا خاصة بعد تراجع منسوب الملاحة عبر مضيق هرمز. والتهديد الصهيواميركي بضرب البنى التحتية الايرانية قابله تهديد ايراني باستهداف كافة مصادر الطاقة في الخليج والكيان المؤقت وخاصة فيما يتعلّق بمعامل تحلية المياه. لكن الاهم من كل ذلك التداعيات على الاقتصاد العالمي. فهناك من يستفيد بشكل مباشر من الحرب وهم مجموعة المضاربين الذي يحيطون بالرئيس الاميركي وخاصة من افراد عائلته والمقرّبين منه حيث التقديرات تشير إلى ارباح تجاوزت اربعين مليار دولار في بضعة ايام. لكن المستفيد الدولي من الازمة هي روسيا حيث ارتفاع سعر برميل النفظ الى اكثر من 100 دولار شكّل مدخولا اضافيا عزّز واقعها الاقتصادي. كذلك الامر بالنسبة للجمهورية الاسلا مية في إيران التي ما زالت تصدّر نفطها وغازها رغم استهداف منشئاتها من قبل التحالف الصهيواميركي.
لكن بالمقابل يمكن قسم المتضررين من التوتر في اسواق الطاقة إلى فئتين: الاولى هي مجموع الدول التي ستشهد تراجعا ملموسا في ادائها الاقتصادي وبالتالي تدخل حالة الانكماش التي قد تستمر لعدة شهور. أما الفئة الثانية فهي الدول التي ستدخل حالة الكساد الاقتصادي التي قد تستمر لعدّة سنوات وما يرافقها من تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة قد تهدد بالتماسك الداخلي والكياني لهذه الدول. الفئة الاولى هي كل من الولايات المتحدة والصين التي ستشهد تراجعا نسبيا في ادائها الاقتصادي بينما الدول الاوروبية ستكون من الفئة الثانية. دول الجنوب الاجمالي قد تنقسم إلى نفس الفئيتين: فئة تشهد الانكماش وفئة تشهد الكساد. الدول المرتبطة بالدول الاوروبية مرشحة ان تدخل حالة الكساد ما يعزّز وتيرة التوجّه نحو الانفصال عن الاقتصاد الاوروبي والالتحاق بمجموعة دول البريكس التي ستصمد اقتصاداتها تجاه الازمة وقد تساعد دول الجنوب الاجمالي. اما سائر الدول فستبدأ أيضا مراجعة ارتباطاتها مع الاقتصاد الاوروبي والاميركي.
التأثير المباشر للتوتر في اسواق الطاقة سينعكس في مكوّنات سلاسل التوريد من المواد البتروكيمائية والاسمدة وبالتالى على الانتاج الغذائي في العالم إذا ما استمر التوتر. كما أن ارتفاع اسعار الطاقة سيؤثّر سلبا الصناعات الثقيلة التي تستهلك كمّيات كبيرة من الطاقة كصناعة الصلب والالمنيوم. ونضيف أيضا الشركات التي تعمل في قطاع الذكاء الاصطناعي التي تستهلك كميّات مضاعفة من الطاقة، وبالتالي لا يمكن استبعاد نهاية فقّاعة الذكاء الاصطناعي التي تحكمت بالاسواق المالية في الولايات المتحدة. مصيرها قد يشبه مصير فقّاعة الرهونات العقارية في 2008 وفقّاعة شركات الدوت كوم في نهاية التسعينات من القرن الماضي.

من الواضح ان الضعوط على الادارة الاميركية ستتزايد داخليا وخارجيا لإيقاف الحرب وذلك في مواجهة مفتوحة مع انصار الكيان الصهيوني الذين يدفعون الى استمرار الحرب. بالمناسبة، اعلنت وزارة العدل الاميركية فتح تحقيق بحق منظومة الايباك ودورها في التأثير على القرار الداخلي. هذه اول مرة تتعرض كبيرة المنظومات الصهيونية في الولايات المتحدة لذلك التحقيق ما يؤكد تراجع وافول دور اللوبي الصهيوني. المؤسسات المالية في الولايات المتحدة تضغط نحو ايقاف الحرب بسبب المخاطر التي تهدد سوق السندات وسوق الاسهم. والمؤسسات المالية وخاصة تلك الشركات التي تملك الاقتصاد الاميركي كشركات المحفظات المالية منها بلاك روك وستيت ستريت وفانغارد وفيدليتى وبركشاير هتاوي التي تملك أكثر من 28 تريليون دولار. فهذه الشركات لن تقبل بتبخر قيمة محفاظاتها وبالتالي تضغط على سائر مكوّنات الدولة العميقة بما فيها المجمع العسكري الصناعي والاعلام ومراكز الابحاث وحتى الجامعات الاميركية المرتبطة بالدولة العميقة.
سلاسل التوريد اصبحت العمود الفقري للاقتصاد العالمي المعولم. فليست هناك من جهة تستطيع أن تتحكم بسلاسل التوريد بشكل كامل وبالتالي التأثير السلبي لما يصيب السلاسلس سيصيب الجميع وإن كان التأثير سيكون بنسب متفاوتة كما تمّت الاشارة إليها في الفقرات السابقة.