لا رصيد في بنك الأهداف!
سعادة مصطفى أرشيد*
تتواصل الحرب على امتداد الإقليم، وقد تجاوزت الشهر، فيما تدخل جبهات جديدة إلى ميادينها. في إيران، لا تزال الفجوة واسعة بين النقاط الخمس عشرة التي طرحها دونالد ترامب، وبين ما تراه إيران ونقاطها الخمس. وفيما يحاول الوسيط الباكستاني، مدعوماً بمصر وتركيا وعُمان، تجسير هذه الفجوة، فإنّها مسألة ليست سهلة، وستستغرق وقتاً طويلاً، وتحتاج أن تسبقها جولات قتال دامية، ليقترب الفريقان من الوصول إلى أرضية مشتركة لبدء التفاوض.
في هذا الوقت، يواصل ترامب ادعاءاته بتحقيق انتصارات، وقوله إنه قد حطّم قدرات إيران العسكرية والاقتصادية، وإن الملاحة عبر مضيق هرمز أصبحت سالكة، فيما لا تزال إيران تسدّد ضربات مؤلمة للولايات المتحدة وحلفائها، وتسيطر على الملاحة في المضيق، واضعةً سوق الطاقة في أزمة ونقص يبلغ 11 مليون برميل يومياً غير قابل للتعويض، ما سيؤدي إلى ارتفاع عالمي في الأسعار تستفيد منه روسيا بالدرجة الأولى، وقد يقود في النهاية إلى تغيير النظام المالي الدولي المعتمد على الدولار، أو إقامة نظام مالي موازٍ له يفقده قدراته الحالية. وبهذا، تكذّب الحقائق على الأرض المزاعم الإسرائيلية – الأميركية.
في لبنان وجنوبه، تدور معارك ضارية بين المقاومة اللبنانية والجيش الإسرائيلي الذي يتكبّد خسائر فادحة. هذا الجنوب، الذي طالما نظر إليه الإسرائيلي، ولا سيما ما يشمل حوض نهر الليطاني، باعتباره أرضاً يجب أن تكون ضمن أراضي الكيان، كما ينظر إلى القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، يرى أنّ السيطرة على هذه المناطق ضرورة أمنية واقتصادية وذات بعد توراتي ديني، وأنّ الاستيلاء عليها يجب أن يكون بالجغرافيا لا بالديموغرافيا، أي أرضاً خالية من أصحابها.
ولهذا، نراه في لبنان يضرب البيئة المدنية لسببين:
السبب الأول، أنه يريد منع استمرار الحياة المدنية الحضرية، لدفع السكان إلى الهجرة والرحيل، وجعل حياة من يريد البقاء بالغة الصعوبة، إذ لا يريد أن تبقى مدارس أو مستشفيات أو شبكات ماء أو كهرباء.
والسبب الثاني، أنّ المقاومة استطاعت سدّ الثغرات الأمنية التي أرهقتها في العام الماضي، ما جعل رصيد “إسرائيل” في بنك الأهداف فارغاً، فلم يعُد لديه إحداثيات دقيقة لأهداف عسكريّة؛ ومن هنا، يضرب أهدافاً عشوائية، كاستهداف سيارة تقلّ ثلاثة صحافيين، لأنه لا يجد هدفاً حقيقياً ليضربه. ويظنّ الاحتلال أنه بذلك يستطيع تحميل المسؤولية للمقاومة، على قاعدة أنه لولا وجودها في الجنوب لما اضطر إلى ما يفعله، وأنه بذلك يرهق البيئة الحاضنة الملتفة حولها، وهو أمر لم يحدث ولن يحدث، فأهل الجنوب يرون بأمّ العين مَن هو القاتل ومَن هو المحتل ومَن هو العدو.
أما اليمن، الذي كان يتحفّز للدخول في الحرب منذ ساعتها الأولى، لولا أنّ إيران أرادت التدرج في إشعال الجبهات، فقد دخل أخيراً بإرسال صاروخ واحد إلى جنوب فلسطين المحتلة. وكان ذلك كافياً ليؤكد أنّ الصداع الأميركي ـ الإسرائيلي، الذي تسبّبت به سيطرة إيران على مضيق هرمز، قد ازداد بعد إطلاق هذا الصاروخ؛ فاليمن لا تحتاج إلى إغلاق مضيق باب المندب، إذ يكفي أن تجعل الملاحة في البحر الأحمر غير آمنة.
هذه الحرب التي سعى إليها الإسرائيلي منذ عام 1979، وحسب ما قال بنيامين نتنياهو لشبكة CNN، إنه بذل جهوداً متواصلة لمدة 20 سنة لإقناع الولايات المتحدة بها، أرادها ـ كما أرادها الأميركي ـ خاطفة وسريعة، وتعتمد على مبدأ الصدمة ثم الانهيار، وهو ما لم ينجح مع إيران، بل أصبحت حرباً بلا سقف، وربما قريباً بلا خطوط حمراء.
الولايات المتحدة، التي تستعجل النتائج، تكثف ضرباتها لعلّ إيران ترضخ لمطالبها وشروطها، لكن إيران، التي صمدت أمام الحصار منذ عام 1979، وخاضت حرباً استمرّت ثماني سنوات، وواجهت محاولات لا تتوقف لتقويض نظامها، من خلال الاحتجاجات أو الجمعيات غير الحكومية أو الاغتيالات، قادرة على الصمود. وشعبها يتظاهر دعماً لها، كما تقف المعارضة الوطنية خلف النظام في معركة تراها تستهدف الوطن.
في المقابل، تقدّر الصحافة الأميركية أنّ ملايين ستخرج إلى الشوارع يوم السبت المقبل في المدن الأميركية، وقد لا تكتفي بالمطالبة بوقف الحرب، بل قد تطالب برحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
