الاحتلال الشامل: حينما تُسلب الأرض والكرامة معًا
أسماء الجرادي
الثلاثين من مارس عام 1976، أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يوم الأرض الفلسطينية، ليصبح هذا التاريخ رمزاً خالداً لصمود الشعب الفلسطيني في وجه المحتل الذي سلب أرضه وحاول محو وجوده. واليوم، ونحن نستذكر هذا اليوم وبعد خمسين عاماً من إعلانه، نكتشف أن أراضينا جميعاً محتلة. فالأعوام اثبتت أن أرض فلسطين لم تكن سوى مرآة لواقع أمتنا الإسلامية ككل. فما يحدث في فلسطين ليس إلا جزء من صورة أكبر لاحتلال شامل، يمتد من تراب فلسطين إلى عمق وجودنا كأمة إسلامية كاملة.
ولعل البعض يتساءل: كيف لنا أن نقول ذلك والمعروف أن إسرائيل لم تحتل سوى أرض فلسطين؟ ولو أتاحوا لعقولهم التوسع والتعمق في التفكير قليلاً لوجدوا الإجابة، وهي: أولاً، لنعلم أن الأرض ليست تراب نعيش عليه فقط، إنما هي هوية وكرامة وتاريخ ومستقبل. هي الوجود بحد ذاته. وعندما تُسلب الأرض، تُسلب معها كل هذه المعاني. لكن ما نراه اليوم في أوطاننا يتجاوز سلب الأرض المادي، ليطال سلب الروح والعقل والإرادة، وبهذا يصبح العدو مسيطراً على الأرض بشكل كامل، وإن كان بطريقة غير مباشرة.
لقد استعمر العدو أفكارنا وأخلاقنا وحياتنا، ثم استغل نقطة قاتلة في جسد أمتنا وهي: حبنا للحياة الذي تحول إلى انغماس مخدّر. ومن نتائجه صمتنا المطبق، الذي وُلد من التفتت الداخلي، ومن الخوف من المواجهة، مما جعلنا نغض الطرف عن الإعتدائات المتزايدة. أصبحنا نفضل السكون على المواجهة، والراحة الزائفة على المقاومة الكفاح. هذا الصمت كان غياباً للإرادة، وتنازلاً عن الحقوق، وقبولاً بالواقع المفروض.
حبنا للحياة الذي كان يجب أن يدفعنا للعمل والبناء والنضال والمقاومة، تم تحويله بفعل التخدير الثقافي الغربي إلى انغماس في اللهو والبحث الزائف عن السعادة. فغرقنا في بحر من الماديات، والترفيه السطحي، والاستهلاك المفرط، حتى أصبح همّ الفرد هو تحقيق لذاته العابرة، بعيداً عن هموم وطنه وأمته وقضاياها المصيرية. أُشغلنا بالبحث عن السعادة في الموضات وشاشات الهواتف، وفي المباهج الزائلة والمظاهر الخادعة، بينما كان العدو يسلب كرامتنا، ويغتصب أرضنا، ويدمر مستقبلنا.
لقد أدرك العدو أن أسهل طريقة للسيطرة على أمة هي إفسادها من الداخل، وإبعادها عن دينها وقرآنها وتضييعها في متاهات اللهو، وجعلها تبحث عن السعادة في غير مواقعها . وعندما تضيع الشعوب في هذا البحث الزائف، تصبح هشة، ضعيفة، غير قادرة على المواجهة، وغير مدركة لحجم الاحتلال الذي يطالها. فقد فعل العدو بشعوب أمتنا تماماً كما يفعله تُجار المخدرات بزبائنهم؛ ففي البداية يعطيه حبوب المخدر مجاناً بدعوى مساعدته في أمر ما او علاج ، وحتى يُدمن عليها ويصبح كل همه البحث عن هذه الحبوب، حتى يسلم كل ما يملك من ماديات، وما يملك من كرامة، وحتى اهله وأسرته. وقد يرتكب الجرائم والقتل لأقرب الناس إليه حتى يحصل فقط على حبة واحدة من المخدر. وبهذا يصبح هذا الشخص المدمن مجرد آلة بيد تجار المخدرات، وإذا انتهت الحاجة منه يتم تصفيته. وهذا نفسه ما يقوم به العدو للسيطرة على الأمة وشعوبها وثرواتها.
في معظم البلدان واجه المحتلون الغربيون بجنودهم مقاومة شرسة من شعوب الأمة، التي رفضت الغزو المباشر ودافعت عن أرضها وكرامتها بكل ما تملك. لكن المحتل، بذكائه الخبيث، أدرك أن الاحتلال العسكري المباشر مكلف وغير مستدام. فغادر بجنوده، لكنه عاد بطرق أكثر خبثاً وتدميراً ومنها: تحويل الشعوب نفسها إلى صهاينة وتابعين له، يوافقون على كل ما يريده، ويسلمون له أرضهم وثرواتهم وكرامتهم وكل شيء. وهذا ما يظهر لنا واقعاً في دول الخليج الغنية بالنفط والثروات. فمع كل هذا الغنى، استطاع العدو أن يسيطر على أفكار وحياة الشعوب، حتى سلبهم إرادتهم وكرامتهم وثرواتهم. فأصبحوا اليوم يتعرضون للإهانة لأدنى المستويات ومن انجس واقذر البشر، كما حدث مؤخراً من حديث المجرم السكير ترامب عن ولي العهد السعودي، وتهديده الصريح بأنه يجب عليه أن ينفذ أوامره مهما كانت، في موقف يوجع القلب ويكشف حجم الاستعمار الذي أصبحت عليه بلداننا.
لقد تم احتلال بلداننا احتلالاً كاملاً، يمتد إلى كل جوانب حياتنا ونوضحها في الاتي:
1. احتلال عسكري غير معلن: من خلال القواعد العسكرية الأمريكية والغربية المنتشرة في معظم بلداننا، والتي تقيد سيادتنا، وتتدخل في قراراتنا، وتجعل من أراضينا ساحات خلفية لمصالحها. وايضاً من هذه القواعد يتم قتلنا وتدمير قوتنا وبلداننا إن وجدت أي محاولة للنهوض.
2. احتلال فكري : عبر غزو ثقافي ممنهج يهدف لتشويه هويتنا الإسلامية، ونشر الأفكار الغربية الفاسدة التي تتعارض مع ديننا وقيمنا، وإضعاف الروابط الأسرية والمجتمعية.
3. احتلال حياتي وثقافي: بفرض أنماط حياة مستوردة لا تتناسب مع أصالتنا، وتغيير أولويات شبابنا نحو الاستهلاك واللهو، وتوجيه الفنون والإعلام لخدمة أجندات العدو.
4. احتلال سياسي: من خلال دعم أنظمة حكم تابعة وموالية بالكامل، والتدخل المباشر في القرارات السيادية للدول، وقمع أي صوت حر.
5. احتلال اقتصادي: بالتحكم في مواردنا الطبيعية (نفط، غاز، زراعة وجميع الموارد)، وإغراق دولنا بالديون، وتحويل اقتصادنا الى أسواق للمنتجات الغربية، مما يكرس تبعيتنا ويمنعنا من تحقيق الاكتفاء الذاتي..
لقد سُلب منا حق الحياة الكريمة، وسُلب منا كل شيء، ولم يعد الأمر مقتصراً على فلسطين وحدها التي تعاني الاحتلال، إنما امتد ليطال معظم بلداننا المسلمة، إن لم نقل جميعها. فأصبحنا نعيش على هامش الوجود، نلهث وراء سراب السعادة، بينما جوهرنا يُنهب، ومستقبلنا يُدمر امامنا.
لكن من بين كل هذه الحروب، وبرغم الاستعمار الحاصل، ما زال هناك مقاومة. فالمقاومة في فلسطين، ولبنان، والعراق، واليمن، وإيران، هي من تواجه وترفض الضياع، وتتمسك بهويتها وتؤكد أن الأمة لم تمت بالكامل. ف هذه المقاومات هي دليل على أن هناك من يرفض الاستسلام، ويتمسك بحقه في الحياة والكرامة والسيادة.
ونحن، في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، يجب أن ندرك أن استعادة أرضنا لا تقتصر على تحرير بقعة جغرافية ، إنما هي استعادة لوعينا وكرامتنا وهويتنا وإرادتنا. والصحوة تبدأ من الوعي بهذا الاحتلال الشامل، وتتطلب منا تحويل حبنا للحياة إلى دافع للبناء والمقاومة والعيش بكرامة حقيقية. ونستعيد أرضنا، وكرامتنا، ووجودنا. فالأمة التي تملك الإرادة، وتتمسك بقيمها، وتتوحد على الحق، وتمضي مع الله وفي سبيله لا تُهزم.
