سورية بين مطرقة الأكاذيب وسندان المشروع الأنغلوسكسوني_قراءة تحليلية في هندسة الفوضى وتدمير الدولة والنسيج الاجتماعي

بقلم:د.نبيلة عفيف غصن

«كيف دمّر النظام الأنغلوسكسوني (الأنغلو–أميركي تحديداً) الدولة السورية ومؤسساتها ونسيجها الاجتماعي عبر الأكاذيب والإعلام الموجّه، لتحقيق مصالحه الجيوسياسية، وكيف يمكن اليوم مواجهة هذا التزييف وكشفه».
لم تكن الحرب على سورية مجرّد صراع داخلي بين نظام ومعارضة، بل كانت – في جوهرها – نتاج مشروعٍ أنغلوسكسونيٍّ متكامل، صُمِّم بعناية لهدم آخر القلاع العربية التي احتفظت بقدرٍ من الاستقلال السياسي والقرار السيادي.
هو مشروعٌ استخدم أدوات غير تقليدية: الأكاذيب المصنوعة، الإعلام الموجّه، المنظمات غير الحكومية، الخطاب الديني المعبّأ، وحروب السردية التي تفوقت أحياناً في أثرها على القنابل نفسها.
أولاً: هندسة الأكاذيب كأداة لتفكيك الدول
منذ بدايات “الربيع العربي”، ظهرت بوضوح بصمات مراكز التفكير الأنغلوسكسونية مثل Chatham House وRAND Corporation وNED (National Endowment for Democracy)، التي عملت على إنتاج رواية مهيأة للإعلام:«الشعب الثائر ضدّ الاستبداد». غير أن هذه الرواية، كما كشف عدد من المفكرين السوريين والعرب، كانت تُبنى على أكاذيب مُمَنهجة، جُهّزت لتعبئة الرأي العام الغربي والعربي في آن.
أُنشئت منصات إعلامية مموّلة بالكامل من الخارج – مثل “الجزيرة” و“العربية” ومنابر غربية تبنّت رواية أحادية – تم فيها استبدال الوقائع بالرموز الدرامية:
الإعلام لم يعد ناقلاً للحدث بل مُهندساً للإدراك.وفق نظرية “Manufacturing Consent” لنعوم تشومسكي، فإن السلطة الإعلامية الأنغلوسكسونية تعمل عبر تصفيةٍ انتقائية للوقائع، بحيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليتبنّى رؤية واحدة.
في الحالة السورية، وُظِّف هذا الإعلام لإقناع الرأي العام العالمي بأنّ التدخل في سورية “ضرورة إنسانية”.هكذا تمّ تسويق الحرب كواجبٍ أخلاقيّ، بينما كانت الغاية تدمير الدولة المركزية وإعادة توزيع النفوذ في قلب الشرق الأوسط.
لقد استُبدلت الجيوش في هذه الحرب بـ”جيش الأكاذيب”.فكما قال الدكتور هيثم مناع: “الثورة السورية بُنيت على الأساطير والأكاذيب… كانوا يقولون لنا: بالكذب جلبنا المجاهدين من أنحاء العالم لإسقاط النظام.”وهذا ما أثبتته الوثائق الغربية نفسها لاحقاً، حيث كشفت تقارير The Intercept وForeign Policy عن تمويل أميركي وبريطاني ضخم لبرامج “الدعاية الثورية” وتجنيد إعلاميين لتغذية السردية المطلوبة.
وهكذا تَحوّل الإعلام إلى سلاحٍ استراتيجيٍّ ناعم، يُدمّر الدول من داخلها دون قصفٍ أو إنزالٍ عسكري.
خامساً: نتائج المشروع – دمار الدولة والمجتمع
تدمير المؤسسات الوطنية من التعليم إلى القضاء إلى الجيش.
تفكك النسيج الاجتماعي عبر هندسة الانقسامات الطائفية والمناطقية وذلك بتعمّد ارتكاب المجازر الطائفية المتنقلة بشكل ممنهج.
هجرة الملايين وإفراغ الطبقة الوسطى التي تشكل عماد أي نهضة.
إعادة تدوير الجماعات المسلحة في مشروعات لاحقة، من ليبيا إلى السودان.
المعركة اليوم ليست بالسلاح، بل بـ السردية.ولا يمكن مواجهة الأكاذيب إلا عبر:

  1. إعادة بناء الوعي التاريخي: أي تعليم الأجيال كيف تُصنع الأخبار وكيف يُهندَس الرأي العام.
  2. تأسيس أرشيف سوري–عربي توثيقي يضم الشهادات والوثائق الأصلية قبل أن تُطمس.
  3. تفكيك منظومة الأكاذيب عبر البحث العلمي – باستخدام أدوات تحليل الخطاب والإعلام السياسي.
  4. المقاومة الثقافية بوصفها الشكل الأعلى للسيادة، لأن الأمة التي تعرف حقيقتها لا تُخدع.خاتمةالحرب على سورية كانت حرباً على الوعي قبل أن تكون حرباً على الجغرافيا.لقد استخدم المشروع الأنغلوسكسوني أدواته الناعمة لتفكيك دولة كانت – رغم عيوبها – تمثل آخر حصون العروبة المستقلة.لكن سقوط الأكاذيب اليوم يفتح باباً لنهضة فكرية جديدة، تؤمن أن المقاومة ليست فقط بالبندقية، بل أيضاً بالحقيقة.فمن يملك السردية، يملك المستقبل.
    Noam Chomsky & Edward Herman, Manufacturing Consent, Pantheon Books, 1988.
    Halford Mackinder, The Geographical Pivot of History, The Geographical Journal, 1904.
    RAND Corporation reports on “Strategic Communication and Regime Change in the Arab World” (2010–2013).
    Foreign Policy: “Britain’s Covert Propaganda Campaign in Syria” (2019).
    The Intercept: “Inside the Secret British Program to Shape Syrian Opinion” (2018).
    د. هيثم مناع – مقابلات وتصريحات منشورة في وسائل إعلام عربية (2015–2020)
    .مجموعة مقالات توثيقية في موقع Consortium News وGrayzone حول “Fake Humanitarianism and the Syrian War”.