ليس يوماً عادياً في سجل هذا الوطن. ليس رقماً يُضاف إلى عدّاد الضحايا، ولا خبراً يُقرأ ثم يُنسى. إنّه يومٌ دمويّ بكلّ ما تحمله الكلمة من وجعٍ وغضبٍ وفضيحةٍ أخلاقيةٍ وسياسية. يومٌ سقط فيه الجميع… الجيش، والمقاومة، والمسعفون، والكشافة، والصحفيون، والمدنيون. يومٌ سقط فيه الوطن كلّه، لا فئة دون أخرى.
في هذا المشهد، لا يمكن لأي خطابٍ أن يختبئ خلف الاصطفافات. فحين يُستهدف الجيش اللبناني، تُستهدف فكرة الدولة نفسها. وحين يُستهدف المقاومون، تُستهدف إرادة الدفاع عن الأرض. وحين يُقتل المسعفون، تُستباح قدسية الحياة. وحين يُغتال الصحفي، تُقمع الحقيقة. وحين يسقط المدنيون، يُعلن أن الدم اللبناني صار مباحاً بلا قيد.
هذا ليس تصعيداً عابراً… بل منطق حربٍ يريد أن يعمّم القتل، ويكسر كلّ خطوط الحماية، ويحوّل الإنسان إلى هدفٍ بحد ذاته. العدو لا يميّز، لأنه لا يرى في هذا الوطن إلا كتلة يجب إخضاعها، ولا يرى في أبنائه إلا عقبة يجب إزالتها. إنها سياسة الإبادة المعنوية قبل أن تكون إبادةً مادية.
لكن الأخطر من الدم… هو الصمت.
الصمت الذي يتسلّل تحت عناوين الحذر، والتوازن، و”عدم الانجرار”. أيّ توازنٍ هذا الذي يُساوي بين الضحية والجلاد؟ وأيّ حذرٍ هذا الذي يبرّر استمرار النزيف؟ إنّ اللحظة لا تحتمل أنصاف المواقف، ولا البيانات الباردة. اللحظة تحتاج إلى وضوحٍ أخلاقيّ حاد: هناك قاتل، وهناك شعبٌ يُذبح.
إنّ ما يجري ليس استهدافاً لأفرادٍ أو مؤسسات، بل محاولة لكسر الروح الجماعية لهذا البلد، لضرب فكرة أنّ في هذا المكان ما يستحق الدفاع عنه. ولهذا، فإنّ الردّ الحقيقي لا يكون فقط بالسلاح، بل بإعادة تثبيت المعنى: أنّ هذا الدم ليس مباحاً، وأنّ هذه الأرض ليست سائبة، وأنّ هذا الشعب، بكلّ مكوّناته، ليس قابلاً للكسر.
في يومٍ كهذا، لا تُرفع الشعارات للتزيين، بل لتكون عهداً. دم الجيش والمقاومة والمسعفين والكشافة والصحفيين والمدنيين ليس خطوطاً متوازية، بل نهرٌ واحد يصبّ في معنى واحد: أن هذا الوطن، رغم الجراح، لا يزال يقاوم.
بعين_الله ليس هروباً إلى الغيب، بل إعلان إيمانٍ بأنّ العدالة، وإن تأخرت، لا تموت. وأنّ الدم، مهما حاولوا دفنه تحت الركام، سيبقى شاهداً… ودافعاً… وشرارةً لا تنطفئ.
د.نبيلة عفيف غصن
