كيف تكشف طائرات شاهد هشاشة المنظومة العسكرية الأمريكية
سائد عسّاف – ٢٨ مارس ٢٠٢٦
منظومة جوية أمريكية هي الأغلى عالميًا
تعتمد الولايات المتحدة على واحدة من أعقد وأقوى المنظومات الجوية في العالم، تضم طائرات شبحية متقدمة تتجاوز تكلفة الواحدة منها مئات ملايين الدولارات، بينما تصل تكلفة ساعة تشغيلها إلى عشرات آلاف الدولارات، إضافة إلى تكلفة تدريب الطيار التي تتخطى عشرة ملايين دولار. وتستخدم هذه الطائرات ذخائر موجهة مرتفعة الثمن، إذ يبلغ سعر الصاروخ الواحد نحو مليون دولار، بينما تصل تكلفة القنبلة الذكية إلى مئتي ألف دولار.
تكاليف القواعد ومراكز الصيانة وحاملات الطائرات
لا تعمل هذه القوة الجوية بمعزل عن بنية تحتية ضخمة تمتد عبر القارات. فالقواعد الجوية الأمريكية تحتاج إلى مليارات الدولارات سنويًا لتشغيلها، بينما تمثل الصيانة والدعم الفني نحو سبعين في المئة من التكلفة الكاملة لدورة حياة أي طائرة. وفي البحر، تُعدّ حاملات الطائرات أحد أكبر عناصر الإنفاق العسكري، إذ تصل تكلفة تشغيل الحاملة الواحدة مع جناحها الجوي إلى أكثر من ملياري دولار سنويًا، بينما يستهلك الأسطول كاملًا ما يقارب ثلاثين مليار دولار سنويًا. هذه الأرقام تعكس حجم العبء المالي الذي تتحمله الولايات المتحدة للحفاظ على تفوقها الجوي والبحري.
الحرب منخفضة الكلفة: فلسفة إيرانية مضادة
على الجانب الآخر، تعتمد إيران على نهج مختلف يقوم على المنصات الرخيصة والقابلة للإطلاق بأعداد كبيرة. فطائرة “شاهد” المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في المواجهات الحديثة، لا تتجاوز تكلفة إنتاجها عشرين ألف دولار فقط، بما يشمل الوقود والحشوة المتفجرة. ولا تحتاج هذه الطائرة إلى التزود بالوقود جوًا، ولا إلى طيارين مدربين، ولا إلى منظومات دعم لوجستي معقدة. وبثمن صاروخ أمريكي واحد، يمكن لإيران إنتاج خمسين طائرة شاهد، أو تشغيل خمسة أسراب كاملة، كل سرب يضم عشر طائرات.
معادلة الاستنزاف: عندما يصبح الدفاع أغلى من الهجوم
تزداد المفارقة وضوحًا عندما نعلم أن محاولة اعتراض طائرة شاهد قد تتطلب صاروخًا اعتراضيًا تتجاوز قيمته مليونًا ونصف المليون دولار، أي أن تكلفة الدفاع قد تكون أعلى بسبعين مرة من تكلفة الهجوم. أما إذا لم تُسقط الطائرة ووصلت إلى هدفها، فقد تصيب رادارًا أو مركز عمليات قد تصل قيمته إلى خمسمئة مليون دولار، ما يجعل الخسارة المحتملة غير متناسبة إطلاقًا مع تكلفة الوسيلة المستخدمة في الهجوم. هذه المعادلة تُظهر كيف يمكن لسلاح منخفض الكلفة أن يفرض عبئًا ماليًا هائلًا على الطرف المقابل، ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك.
تحديات الدفاعات الجوية الأمريكية
لا يقتصر هذا الخلل على القوة الجوية وحدها، بل يمتد إلى سلاح الدفاعات الجوية الأمريكية الذي صُمم لمواجهة طائرات مقاتلة وصواريخ باليستية، وليس أسرابًا من المسيّرات الصغيرة والرخيصة. فأنظمة مثل باتريوت وثاد وإيجيس تعتمد على صواريخ اعتراضية مرتفعة الكلفة، ما يجعل استخدامها ضد أهداف منخفضة الكلفة غير اقتصادي وغير مستدام. ومع تزايد الهجمات المعتمدة على الإغراق العددي، يصبح الدفاع مكلفًا ومعقدًا، بينما يظل الهجوم رخيصًا وسهل التكرار.
فجوة زمنية في الابتكار قد لا تُسدّ في الوقت المناسب
معالجة هذا الخلل لا تحتاج فقط إلى قرار سياسي أو ميزانيات ضخمة، بل تتطلب وقتًا طويلًا للابتكار، والتجربة، والتطوير، والتدريب، والإنتاج. فإعادة تصميم منظومات دفاعية جديدة قادرة على مواجهة التهديدات منخفضة الكلفة ليست عملية سريعة، وقد تستغرق سنوات قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام. وخلال هذه الفترة، قد تظهر تحديات جديدة تتجاوز ما يجري تطويره، ما يجعل الولايات المتحدة في سباق مستمر مع الزمن، تحاول فيه تحديث منظومات صُممت لعصر مضى كي تلائم واقعًا عسكريًا يتغير بسرعة غير مسبوقة.
تحوّل في طبيعة الحروب الحديثة
هذا التباين بين الكلفة العالية للأنظمة الأمريكية والكلفة المنخفضة للمنصات الإيرانية يعكس تحوّلًا مهمًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق التقني وحده كافيًا لضمان التفوق الاستراتيجي. فالحرب اليوم أصبحت أيضًا حربًا اقتصادية، تُقاس فيها القدرة على الاستنزاف بقدر ما تُقاس بالقدرة على التدمير. وإذا قسنا هذا التباين على كل صاروخ يُطلق، وكل طلعة جوية تُنفذ، وكل طائرة شاهد تُرسل، سندرك مدى فداحة الاستنزاف الذي تتعرض له منظومات الحرب التقليدية أمام ديناميكية العصر الجديد من أدوات القتال. ولعل هذه المقارنة وحدها تكفي لتدلّك على من سيرمش أولًا في معركة تُدار بالكلفة بقدر ما تُدار بالنار.
