في زمنٍ تُقصف فيه الحقيقة كما تُقصف المدن، لم تعد الصحافة مجرّد مهنة، بل تحوّلت إلى خط تماسٍ متقدّم في مواجهة آلة القتل الصهيونية. لم يعد الصحافي شاهداً محايداً، بل هدفاً مباشراً، لأن الكلمة – حين تصدق – تصبح أخطر من الرصاصة، والصورة – حين تفضح – تتحول إلى إدانة لا يمكن إسكاتها.

ما يتعرض له الصحافيون في مواجهة الكيان الصهيوني ليس حوادث عرضية ولا “أخطاء ميدانية” كما يحلو لآلة التضليل أن تزعم، بل هو نهجٌ ممنهج، استراتيجية مكتملة الأركان تهدف إلى اغتيال الرواية قبل اغتيال الإنسان. فالصهاينة يدركون جيداً أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي، على الذاكرة، على السردية التي ستبقى بعد أن يخفت صوت الرصاص.

حين يُستهدف صوتٌ كصوت علي شعيب، أو تُلاحق أقلام كقلم فاطمة فتوني، فإن الرسالة واضحة: كل من يجرؤ على نقل الحقيقة، كل من يرفض أن يكون بوقاً، هو مشروع شهيد. لكن ما لا يدركه هذا العدو، أن الصوت الذي يُستهدف لا يُخمد، بل يتكاثر. وأن الكلمة التي تُقمع، تتحول إلى صرخة جماعية، تتردد في آلاف الحناجر.

إن اغتيال الصحافة هو الوجه الآخر لاغتيال الشعوب. فمن يُسكت الكاميرا، يسعى لإخفاء الجريمة. ومن يقتل الصحافي، يريد أن يقتل الشاهد. لكن هذه المعادلة لم تعد صالحة. لأن زمن احتكار الصورة انتهى، وزمن طمس الحقيقة ولّى. كل هاتف اليوم كاميرا، وكل مواطن مشروع ناقل للحقيقة، وكل شارع أرشيف حيّ لا يمكن محوه.

ومع ذلك، تبقى للصحافي الحقيقي مكانته الخاصة. لأنه لا ينقل فقط، بل يفسّر، يربط، يكشف البنية العميقة للعدوان، ويضع الجريمة في سياقها: كيان قائم على القتل، لا يستطيع أن يعيش دون أن يُسكت كل من يفضحه. وهنا تكمن خطورة ما يجري: نحن لا أمام حربٍ على أفراد، بل أمام حربٍ على الوعي الجمعي، على حق الشعوب في أن ترى وتفهم وتحكم.

إن الصمت أمام استهداف الصحافيين ليس حياداً، بل تواطؤ. وأي خطاب يتجاهل هذه الجرائم، أو يساوي بين الضحية والجلاد، إنما يشارك – بوعي أو بغير وعي – في عملية التضليل الكبرى. فالمعركة اليوم ليست فقط من يملك السلاح، بل من يملك الرواية. ومن يربح الرواية، يربح التاريخ.

ورغم كل محاولات الخنق، ما زالت الحقيقة تشق طريقها. تخرج من تحت الركام، من بين الدخان، من عدسة مكسورة، ومن صوتٍ مبحوح لم ينكسر. لأن الحقيقة، ببساطة، لا تُغتال. قد تتأخر، قد تُحاصر، لكنها في النهاية تصل.

هنا، بالضبط، يكمن الرعب الحقيقي للعدو: أن هناك دائماً من سيكتب، من سيصوّر، من سيشهد. وأن الصوت، مهما طُوّق، سيجد طريقه. وأن الصحافة، حين تكون في صف الحقيقة، لا تموت… بل تتحول إلى مقاومة.

د.نبيلة عفيف غصن