في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون الأسئلة التقنية هي الأهم، بل الأسئلة التي تمسّ جوهر المعادلة: من يملك المبادرة؟ من يملك القدرة على فرض شروطه؟ ومن يعمل الزمن لصالحه؟
بهذا المعنى، تبدو الحرب الدائرة اليوم في المنطقة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية. إنها اختبار عميق لمفهوم الهيمنة ذاته، وللقدرة على إعادة إنتاجها أو كسرها، ولحدود القوة حين تُساق إلى أقصاها.
من هنا، يصبح إعلان الرئيس الأمريكي عن “اتفاق” لوقف الحرب مع إيران — في وقت تؤكد فيه طهران أنه لا توجد مفاوضات أصلًا — حدثًا لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع. فهذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها واشنطن اتفاقًا لم يُعقد، كما حدث سابقًا في اليمن حين أعلن الرئيس نفسه عن “انتصار” لم يتحقق، واتفاق لم يعرف به الطرف الآخر إلا من خلال التصريحات الإعلامية.
لكن الفارق اليوم أن السياق تغيّر، وأن ميزان القوة لم يعد كما كان.
أولًا: مشروعان لا يلتقيان في تعريف الحرب
منذ عقود، خاضت الولايات المتحدة حروبها في المنطقة بوصفها قوة تسعى إلى تثبيت نفوذها، لا إلى حماية وجودها.
كانت أهدافها واضحة:
السيطرة على موارد الطاقة والممرات الحيوية
استخدام المنطقة كورقة ضغط في صراعها مع القوى الدولية
تأمين الكيان الصهيوني وتوفير مظلة لتمدده
هذه أهداف نفوذ، يمكن إعادة النظر فيها حين ترتفع الكلفة أو تتغير الظروف.
على الضفة الأخرى، يخوض محور المقاومة حربًا من طبيعة مختلفة.
بالنسبة له، ليست المسألة حدودًا أو مصالح، بل وجود:
وجود ثقافي، وسياسي، وتاريخي، وحضاري.
وجود يرى في الهيمنة تهديدًا مباشرًا له، وفي التراجع عنها شرطًا لبقائه.
وحين تختلف طبيعة الهدف، تختلف طبيعة القتال، وتختلف حدود التراجع الممكن.
ثانيًا: حين يتآكل التفوق العسكري
الهيمنة الأمريكية في المنطقة لم تُبنَ على شرعية سياسية أو قانونية، بل على ركيزتين أساسيتين:
تفوق عسكري ساحق
قدرة على التدمير دون أن تُمس
في الحروب السابقة، كانت واشنطن قادرة على أن تضرب من بعيد، وأن تغيّر أنظمة، وأن تحاصر دولًا، دون أن تتعرض قواعدها أو بنيتها العسكرية لتهديد جدي.
هذه القدرة هي التي منحتها جرأة التدخل، وثقة فرض الشروط.
لكن الحرب الأخيرة كشفت عن تحوّل نوعي:
حاملات الطائرات، رمز الهيمنة البحرية، بقيت خارج مسرح العمليات، وتحولت من مصدر قوة إلى عبء لوجستي.
سلاح الجو، رغم تكلفته الهائلة، لم ينجح في فرض معادلة ردع جديدة.
أنظمة الدفاع المتعددة الطبقات تعرضت لاختبارات لم تُصمَّم لها، وفشلت في حماية القواعد والرادارات.
أسلحة منخفضة التكلفة، تعتمد على كثافة الهجوم وتنوع المسارات، نجحت في تجاوز منظومات بمليارات الدولارات.
لقد سقطت فرضية “التفوق المطلق”، أو على الأقل تآكلت إلى حدّ لم يعد يسمح بإعادة إنتاج الهيمنة بالصيغة القديمة.
ثالثًا: استثمار الثغرات… وتوسيع الفجوات
ما فعله محور المقاومة لم يكن مجرد تطوير سلاح جديد، بل إعادة تعريف لطريقة الاشتباك.
فقد عمل على الثغرات في منظومة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية:
نقاط العمى في الرادارات
المسارات غير التقليدية
الهجمات المتزامنة
تعدد المنصات
استنزاف أنظمة الاعتراض
والنتيجة لم تكن اختراقات موضعية، بل توسيعًا للفجوات البنيوية في منظومة الدفاع، إلى الحد الذي جعل الوصول إلى الأهداف الحساسة أمرًا ممكنًا وفعّالًا.
لكن هذا لم يكن بلا ثمن.
فقد دفع محور المقاومة أثمانًا باهظة من المدنيين والبنى التحتية والقدرات العسكرية.
غير أن طبيعة المعركة — كما يعرّفها — تجعل هذه الأثمان جزءًا من معركة وجود لا يمكن التراجع عنها.
رابعًا: لماذا يسعى الأمريكي إلى وقف إطلاق النار الآن؟
الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يواجهان اليوم معضلة مركبة:
الاستنزاف يتصاعد
صورة الردع تهتز
الخيارات تضيق
الوقت لا يعمل لصالحهما
في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار بالنسبة لهما:
وسيلة لوقف النزيف
محاولة لتجميد المشهد عند نقطة أقل كلفة
فرصة لإعادة بناء ما دُمّر
مساحة زمنية لتطوير أسلحة جديدة تسد الثغرات التي كُشفت
لكن تطوير منظومات جديدة قادرة على التعامل مع التحديات التي ظهرت في هذه الحرب لن يكون مسألة أشهر، بل سنوات.
وأي توقف الآن يمنح المعتدي الوقت الذي يحتاجه لإعادة إنتاج أدوات هيمنته.
خامسًا: هل التوقف الآن يخدم السلام… أم يؤجّل الحرب؟
السؤال الحقيقي ليس:
لماذا لا نتوقف الآن؟
بل:
على أي معادلة نتوقف، ولصالح من يعمل الزمن بعد التوقف؟
إذا كان وقف إطلاق النار يعني:
تجميد مكاسب الطرف الذي كسر الهيمنة
منح الطرف المعتدي فرصة لإعادة بناء قوته
إعادة إنتاج ميزان القوة القديم بعد سنوات
فإن التوقف لا يكون نهاية حرب، بل استراحة قصيرة في حرب أطول.
أما إذا كان التوقف يأتي على قاعدة جديدة، تعترف بالتحول الذي حدث، وتعيد تعريف حدود القوة، وتضع حدًا لمنطق الهيمنة، فحينها فقط يمكن الحديث عن سلام حقيقي.
خاتمة
ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة كتابة لمعادلة القوة في المنطقة.
لقد أثبتت الحرب أن:
التفوق العسكري ليس ضمانة للهيمنة
التكنولوجيا الباهظة لا تهزم الإرادة المصممة
من يقاتل من أجل وجوده لا يمكن ردعه بسهولة
ومن يقاتل من أجل نفوذه يمكن أن يتراجع حين ترتفع الكلفة
في ضوء ذلك، يصبح وقف إطلاق النار ليس قرارًا تقنيًا، بل قرارًا استراتيجيًا يحدد شكل المنطقة لعقود.
والسؤال الذي سيبقى معلّقًا:
هل نحن أمام نهاية مرحلة… أم أمام بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة ميزان القوة بالكامل؟
سائد عساف
٢٤ اذار ٢٠٢٦
