إن لم يكن الآن فمتى؟!
د. فريد عبد الجبار ولد علي
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُمنح الفرص مرتين. بل تمر خاطفة، لا ينتبه لها الا من يملك الجرأة على قراءتها والتصرف على أساسها. من هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله الآن: إذا كان الكيان الصهيوني المحتل يواجه ضغوطاً غير مسبوقة في ظل التصعيد مع إيران، فهل يعقل أن تبقى غزة خارج معادلة التأثير؟؟ أليست هذه اللحظة التي طال انتظارها لإعادة خلط الأوراق وفرض واقع جديد؟ فما الذي تنتظر حماس؟!
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى المشهد باعتباره مجرد تصعيد عابر، بل كنافذة استراتيجية نادرة.
كنا ننتقد صمت الانظمة والشعوب العربية والاسلامية على العدوان الصهيوني على غزة. وكنا ننتقد بالخصوص الموقف الايراني السلبي، وكنا ننتظر ثورة شاملة تنتهي بإنهاء الاحتلال الصهيوني. أما وقد انقلب الوضع واصبحت إيران هي الطرف المقاتل، ألا يجدر بحماس أن تستغل الفرصة؟ ما الذي تنتظر أكثر مما يجري الآن؟؟؟!!!
السؤال لا يتعلق فقط بمدى جاهزية حماس، بل بقدرتها على قراءة اللحظة واستثمارها قبل أن تتبدد. فبين رؤية التصعيد خطرًا يجب تجنبه، وبين كونه فرصة يجب اقتناصها، يبقى القرار محكومًا بتوازن دقيق بين الجرأة والحسابات. ومع ذلك فإن ما يجري يؤكد أن الفرصة حانت، وإن لم يتم الاستفادة منها فلن تتكرر، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: تعدد الجبهات يرهق أي قوة.
حتى أقوى الجيوش في العالم تواجه صعوبة حين تُفتح عليها جبهات متعددة في وقت واحد. ومع انخراط الكيان الصهيوني في مواجهة مع إيران، فإن قدراتها تتعرض لضغط كبير. وفتح جبهة إضافية من غزة، سوف يشتت تركيزها ويقلل من قدرتها على الرد الحاسم في كل الاتجاهات.
ثانياً: كسر معادلة الردع.
حيث أن دولة الكيان بنت قوة ردعها على فكرة أن خصومها يترددون في التصعيد خوفاً من الرد. لكن استغلال لحظة انشغالها قد يوجّه ضربة لهذه المعادلة، ويُظهر أن المبادرة يمكن أن تكون بيد الطرف الأضعف إذا اختار التوقيت المناسب.
ثالثاً: الزخم السياسي والإعلامي.
حيث أن التصعيد الإقليمي يسلّط أنظار العالم على المنطقة، وفي ظل هذا الاهتمام، قد يكون لأي تحرك فلسطيني صدىً أكبر وتأثيراً سياسياً أوسع، خاصة إذا ترافق مع ضغط شعبي وإعلامي دولي.
رابعاً: عنصر المفاجأة.
ففي الصراعات، تعتبر المفاجأة عاملاً حاسماً. والتحرك في لحظة غير متوقعة، حين يكون الخصم منشغلًا بجبهة أخرى، سوف يمنح أفضلية تكتيكية، حتى لو كانت مؤقتة. هذا ما يؤكد أن الانتظار قد يفوّت فرصة يصعب تكرارها.
خامساً: المخاطرة كجزء من الاستراتيجية.
لا أحد يستطيع الانكار بحتمية وجود المخاطر، لكن لا يجب أن ننسى أن الصراعات الطويلة لا تُحسم دون مجازفة. ومن هذا المنطلق، فإن التردد الدائم قد يحافظ على الوضع القائم بدل تغييره، بينما قد يفتح التحرك الجريء أفقاً جديداً حتى لو كان مكلفاً.
ختاماً علينا أن نعي أن النجاح ليس مضموناً، وأن النتائج قد تكون قاسية. لكن جوهر الفكرة هو أن اللحظات التاريخية تُصنع أحيانًا بقرارات جريئة تُتخذ في ظروف استثنائية. ولا ننسى أن تحرير الأوطان يحتاج الى قرارات حاسمة ليست بمعزل عن المخاطر.
