تواجه سورية الطبيعية أزمة انقسام مجتمعي تتزايد تأثيراتهاnegative تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية، حيث تحولت الاختلافات الطبيعية إلى مصادر للاختراق. تهدف قوى خارجية إلى استغلال هذه الفجوات لخدمة مصالحها، بينما تتعمق التوترات بين مكونات المجتمع تحت وطأة الخوف والاضطراب، بما في ذلك صعود جماعات متطرفة وتقاطعات مع مصالح إقليمية. الإشكالية الحقيقية تكمن في غياب مشروع وطن جامع قادر على توحيد مكونات الشعب السوري. تحتاج المرحلة إلى إعادة تشكيل الوعي الوطني، وتحديد التناقضات بدقة، وتحويل التنوع إلى عنصر قوة، وإعادة توجيه بوصلة العمل نحو مصلحة سورية الطبيعية ككل، من الشام إلى العراق.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
برزت حديثا في أنحاء سورية الطبيعية هويات فرعية دينية ومناطقية وعشائرية، وأعادت تشكيل المجتمع على أسس انقسامية. هذا التحوّل لم يكن مجرد نتيجة طبيعية للأزمة، بل شكّل بيئة خصبة لمشاريع خارجية لطالما سعت إلى تفكيك المنطقة وإعادة تركيبها بما يخدم مصالحها. فعندما يتفكك المجتمع داخليًا، يصبح أكثر قابلية للاختراق، وتتحول تناقضاته إلى أدوات بيد الآخرين.
غير أن اختزال هذا الواقع بعامل واحد أو باتهام مكوّن دون آخر لا يقدّم فهمًا دقيقًا، بل يعمّق الأزمة. فالتوترات بين مكوّنات الشعب السوري في كامل سورية الطبيعية – من الشام إلى لبنان والعراق – هي نتاج تراكمات سياسية واجتماعية وأمنية، إلى جانب تدخلات خارجية متعددة استثمرت في هذه التصدعات. وقد شهدت بعض البيئات صعود جماعات متطرفة استغلت الفراغ والاضطراب، وفرضت نفسها بالقوة، ما ألحق ضررًا كبيرًا بأهلها قبل غيرهم، وخلق صورة نمطية عمّمت على نطاق أوسع مما تحتمل.
في المقابل، دفعت هذه التطورات مكوّنات أخرى إلى تبنّي مواقف دفاعية أو البحث عن تحالفات خارجية، تحت وطأة الخوف أو انعدام الثقة، وهو ما زاد من تعقيد المشهد بدل معالجته. ومع الوقت، تكرّس منطق يرى في “الآخر الداخلي” تهديدًا مباشرًا، فيما تراجع التركيز على التحديات الأوسع التي تهدّد مستقبل سورية الطبيعية بأكملها.
ضمن هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المشروع الصهيوني بوصفه عاملًا يستفيد من حالة التفكك، ويعمل على توظيفها بما يخدم استراتيجيته الإقليمية. إلا أن خطورة هذا الدور لا تُفهم على نحو صحيح إلا إذا وُضعت ضمن شبكة أوسع من التداخلات الدولية والإقليمية، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة على الأرض الشامية والعراقية واللبنانية، لكل منها أدواتها ورهاناتها.
كما أن بروز نزعات انفصالية أو ارتباط بعض القوى المحلية بمحاور خارجية يعكس بدوره عمق الأزمة، لكنه لا يبرّر التعامل مع هذه الظواهر بمنطق التعميم أو الإدانة الجماعية، بل يستدعي قراءة جذورها السياسية والاجتماعية، والعمل على معالجتها ضمن إطار وطني جامع يشمل كامل سورية الطبيعية.
إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في تنوّع مكوّنات الشعب السوري، بل في غياب المشروع القادر على جمعها ضمن رؤية مشتركة. فحين يغيب هذا المشروع، تتحول الاختلافات الطبيعية إلى خطوط صدع، ويصبح كل مكوّن أكثر عرضة للقلق والانكفاء أو الارتهان.
ما تحتاجه سورية الطبيعية اليوم ليس خطابًا يزيد من حدّة الانقسام، بل إعادة بناء وعي وطني يحدّد التناقضات بدقة، ويميّز بين الصراعات التي تستنزف الداخل، وتلك التي تمسّ موقع البلاد ومستقبلها. فإعادة توجيه البوصلة لا تعني إلغاء التعقيد، بل فهمه وتجاوزه ضمن إطار جامع يشمل الشام ولبنان والعراق وفلسطين والأردن والكويت.
في المحصلة، لا يمكن مواجهة التحديات الخارجية بفعالية من دون ترميم الداخل، ولا يمكن ترميم الداخل من دون الاعتراف بالأخطاء وتجاوز منطق التخوين والتعميم. وحدها مقاربة وطنية شاملة، قائمة على العدالة والمصالح المشتركة، قادرة على تحويل التنوع من مصدر ضعف إلى عنصر قوة، وعلى إعادة توحيد الاتجاه نحو ما يخدم سورية الطبيعية بأكملها، من الشام إلى لبنان والعراق.
