سويس 1956و هرمز 2026، ولحظة انكشاف الإمبراطورية.
القدس- كندي قطينة
لم تكن أزمة العدوان الثلاثي على مصر 1956 مجرد حرب على قناة أو ردًّا على قرار سيادي اتخذه جمال عبد الناصر، بل كانت لحظة تاريخية انكشف فيها التناقض الجوهري داخل الإمبريالية البريطانية نفسها. فالإمبراطورية التي حكمت البحار لقرون، وجدت نفسها فجأة عاجزة عن فرض إرادتها دون موافقة مركز القوة الجديد، أي الولايات المتحدة. لم تكن الهزيمة عسكرية بقدر ما كانت هزيمة بنيوية: انهيار قدرة رأس المال البريطاني على الاستمرار كقوة مهيمنة مستقلة في النظام العالمي.
لا تُقاس قوة الإمبراطوريات بعدد جنودها، بل بقدرتها على تنظيم علاقات الإنتاج والسيطرة على تدفقات رأس المال عالميًا. وهنا تحديدًا سقطت بريطانيا. فمع صعود الرأسمالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز الثقل من لندن إلى واشنطن، ومن الجنيه إلى الدولار. جاءت حرب السويس كمحاولة يائسة من برجوازية متراجعة لاستعادة موقعها التاريخي، لكنها انتهت إلى نتيجة معاكسة تمامًا: تكريس التبعية للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
اليوم، وبعد اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعود السؤال نفسه، ولكن في سياق مختلف: هل نحن أمام “لحظة سويس” أمريكية؟
الولايات المتحدة لا تشبه بريطانيا في منتصف القرن العشرين من حيث الحجم أو النفوذ، لكنها تشترك معها في سمة حاسمة: الاعتماد على نظام عالمي معقّد لتثبيت الهيمنة. هذا النظام القائم على البترودولار، وسلاسل التوريد، والتحالفات العسكرية، ليس تعبيرًا عن قوة مطلقة، بل عن توازن هشّ بين مراكز متعددة لرأس المال. وهنا يكمن التناقض.
فالحرب على إيران لم تأتِ في فراغ، بل انفجرت في قلب شبكة إقليمية ودولية معقّدة. إيران ليست دولة معزولة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية حاسمة، بل فاعل مركزي داخل بنية ممتدة من القوى والتحالفات. ومع اتساع رقعة المواجهة، بدأت تظهر النتائج التي تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: اضطراب في أسواق الطاقة، تصعيد عبر قوى وسيطة، واحتكاك متزايد مع قوى دولية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
وهنا تحديدًا تبرز المقارنة المادية الأكثر وضوحًا: كما كان قناة السويس في 1956 شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، فإن مضيق هرمز اليوم يمثل أحد أهم شرايين تدفق النفط في العالم. إغلاق القناة آنذاك عطّل حركة التجارة والطاقة، وكشف هشاشة البنية الاقتصادية التي كانت تعتمد عليها الإمبراطورية البريطانية. واليوم، مع إغلاق إيران لمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى حدود 100 دولار، يتكرر المشهد في صيغة أكثر تعقيدًا وخطورة: اختناق في شريان الطاقة العالمي ينعكس فورًا على كل اقتصاد مرتبط بالنظام الرأسمالي المعولم.
في الحالتين، لم تكن المسألة مجرد معركة عسكرية، بل صراع على عقدة مركزية في شبكة الاقتصاد العالمي. وإذا كان إغلاق السويس قد ساهم في تسريع انكشاف عجز بريطانيا، فإن اضطراب هرمز اليوم يكشف مدى اعتماد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة على استقرار لا تملك السيطرة الكاملة عليه.
هنا تتجلى المفارقة: كلما لجأت الإمبراطورية إلى القوة العسكرية لحماية نظامها، كشفت في الوقت نفسه حدود هذا النظام. فالحرب لم تعد أداة فعالة لإعادة إنتاج الهيمنة، بل قد تتحول إلى أداة استنزاف لرأس المال، وإلى عامل تسريع في تفكك البنية التي تستند إليها تلك الهيمنة.
التاريخ لا يكرر نفسه بشكل ميكانيكي، لكنه يعلّمنا أن الإمبراطوريات، مهما بلغت من القوة والتغطرس، تحمل في داخلها شروط سقوطها. فهي، في لحظة ما، تبدأ بالعمل عكس التيار الإنساني العام، فتتحول من قوة تاريخية صاعدة إلى عبء على حركة التاريخ نفسها.
وإذا كان التاريخ الحضاري لـ إيران يمتد لآلاف السنين، فإنه لم يكن نموذجًا مثاليًا للعدالة الاجتماعية، ولم يكن اشتراكيًا بالمعنى الحديث، لكنّه أيضًا لم يتشكل كإمبريالية توسعية قائمة على استنزاف محيطها بالشكل الذي عرفته الإمبراطوريات الغربية الحديثة. وبعد الثورة الإيرانية 1979، برز خطاب سياسي وأخلاقي يضع نفسه في موقع مناصرة المظلوم والدفاع عن قضايا التحرر، وهو ما يعكس، بغض النظر عن التقييم السياسي، اتجاهًا مختلفًا في تصور العلاقة مع العالم.
هذا التباين يعكس صراعًا أعمق من مجرد مواجهة عسكرية: صراع بين نموذجين حضاريين، أحدهما نشأ في سياق إمبريالي توسعي، والآخر يطرح نفسه نظريًا على الأقل، كبديل أخلاقي أو مقاوم لذلك النموذج.
من هنا، لا يمكن فهم هذه الحرب إلا كاختبار تاريخي لشكل الإمبريالية المعاصرة. فإما أن تنجح الولايات المتحدة في إعادة فرض توازن يخدم استمرار هيمنتها، وهو احتمال يزداد صعوبة، أو أن تكشف هذه المواجهة حدود تلك الهيمنة، تمامًا كما كشفت السويس حدود الإمبراطورية البريطانية.
وسويس 1956 لم تكن نهاية الإمبراطورية البريطانية بقدر ما كانت إعلانًا عن نهايتها.
وربما تكون هذه الحرب لحظة مشابهة: ليس سقوط الإمبراطورية الأمريكية، بل اللحظة التي يبدأ فيها العالم بالتعامل معها كقوة لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق، إنها بداية انكشاف حدودها أمام عالم لم يعد يدار من مركز واحد.
