“إسرائيل” تحت الإنهاك الصاروخي: حرب الاستنزاف الجديدة وتآكل الردع
د.نبيلة عفيف غصن
تشير التطورات الميدانية حتى مساء 15 آذار/مارس 2026 إلى أن الكيان الصهيوني يواجه مرحلة مختلفة من الصراع مع إيران ومحور المقاومة، مرحلة لا تقوم على الضربات الخاطفة أو العمليات المحدودة، بل على استنزاف متدرّج وطويل النفس يستهدف قدرة المجتمع والدولة معاً على تحمّل الضغط العسكري والنفسي.
فخلال اليومين الماضيين تعرّضت مناطق داخل فلسطين المحتلة، ومنها رمات غان في محيط تل أبيب، لسلسلة ضربات صاروخية إيرانية متتالية. وقد أصابت بعض الصواريخ ومخلّفات اعتراضها مناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، ما أدى إلى تضرر عدد من المنازل وإصابة أربعة مدنيين، أحدهم إصابته متوسطة. ورغم محدودية الخسائر البشرية حتى الآن، فإن الأثر الحقيقي لهذه الضربات يتجاوز الأرقام المباشرة، إذ يتركز على خلق حالة استنزاف دائم للمجتمع الإسرائيلي.
إحدى السمات اللافتة في هذه المرحلة هي الإيقاع المتكرر للهجمات الصاروخية. فعمليات الإطلاق الليلية تتكرر تقريباً كل ساعة أو أقل، ما يجبر السكان على التوجه المتواصل إلى الملاجئ. وحتى خلال ساعات النهار لا تتوقف عمليات الإطلاق تماماً، وإن كانت بوتيرة أبطأ. هذا النمط من الضربات لا يهدف فقط إلى إصابة أهداف محددة، بل يسعى إلى إبقاء الجبهة الداخلية في حالة استنفار دائم، وهو ما يخلق ضغطاً نفسياً واقتصادياً متراكماً.
في المقابل، ظهرت تقارير إعلامية تشير إلى أن القيادة الإسرائيلية أبلغت الولايات المتحدة بأنها تواجه نقصاً متزايداً في بعض أنواع الصواريخ الاعتراضية نتيجة الاستهلاك الكبير خلال المواجهات مع إيران وحزب الله. وقد سارع الجيش الإسرائيلي إلى نفي هذه المعلومات، مؤكداً أن مخزونات الدفاع الجوي كافية لجميع السيناريوهات. غير أن تكرار الضربات الصاروخية، وسقوط أجزاء من الصواريخ الاعتراضية داخل المدن حتى بعد اعتراضها، يطرحان تساؤلات جدية حول حدود القدرة الدفاعية في مواجهة حرب استنزاف طويلة.
الأهم من ذلك أن نمط الضربات الإيرانية يحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة. فإيران لا تعتمد حالياً على رشقات ضخمة من الصواريخ، بل في كثير من الأحيان تطلق صاروخاً واحداً أو عدداً محدوداً في كل مرة. ورغم بساطة هذا التكتيك ظاهرياً، إلا أنه يفرض على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية تشغيل راداراتها واعتراضاتها بشكل متواصل، ما يستهلك الموارد ويُبقي الجبهة الداخلية تحت التهديد الدائم.
هذا الواقع يخلق مفارقة سياسية واضحة، خاصة في ضوء تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية. فاستمرار إطلاق الصواريخ، ولو بوتيرة محدودة، يشير إلى أن البنية العسكرية الإيرانية ما زالت قادرة على العمل وإيصال الرسائل الاستراتيجية.
في المحصلة، تكشف أحداث الأيام الأخيرة عن تحول تدريجي في طبيعة المواجهة. فالمعركة لم تعد مجرد تبادل ضربات رمزية، بل تتحول إلى حرب استنزاف متعددة المستويات: عسكرية عبر استهلاك منظومات الدفاع، واقتصادية عبر تعطيل الحياة اليومية، ونفسية عبر إرهاق المجتمع الإسرائيلي بالملاجئ والإنذارات المستمرة.
وهذا التحول قد يكون المؤشر الأبرز على أن الصراع يدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال فقط عن من يملك القدرة على الضرب، بل عن من يملك القدرة على الصمود لفترة أطول تحت ضغط الحرب المستمرة.
