لا تبدأ قراءة مبادرة رئيس الجمهورية من التوضيحات ولا من الحديث عن النيات المعلنة، بل من نصها كما ورد. فالمبادرة، تقوم على أربع حلقات مترابطة: وقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية برًا وبحرًا وجوًا؛ دعم لوجستي للجيش اللبناني لتمكينه من السيطرة على مناطق التوتر؛ مصادرة السلاح فيها بما يشمل سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته؛ ثم بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان و”إسرائيل” برعاية دولية للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل ما سبق. هذا الترتيب مهم جدًا، لأن النص لا ينطلق من إلزام “إسرائيل” أولًا بالانسحاب تنفيذًا للقرار 1701 واتفاق وقف النار، بل يطرح وقفًا للنار يترافق مع تمكين الدولة من نزع السلاح، ثم يفتح باب التفاوض المباشر.

هنا تظهر المشكلة الجوهرية في النص نفسه. فالقرار 1701، كما جرى التمسك به لسنوات، يقوم على منطق مختلف: وقف الأعمال العدائية، انسحاب “إسرائيل”، انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل. أما في المبادرة الجديدة، فإن الانسحاب الإسرائيلي لا يظهر كالتزام سابق أو موازٍ، بل يتحول إلى ملف تفاوضي لاحق ضمن مسار أوسع عنوانه “التفاصيل”. بهذا المعنى، لا تعود “إسرائيل” مطالَبة بتنفيذ ما عليها وفق مرجعية قائمة، فتحصل مجاناً على إعلان لبناني عن دفن القرار 1701 الذي لا تحبّه ونعي اتفاق وقف إطلاق النار الذي يزعجها، وتصبح بلا مقابل شريكًا في تفاوض جديد على الجغرافيا والترتيبات الأمنية. وهذا أخطر ما في النص: أنه لا يكتفي بتعديل الأولويات، بل يبدّل المرجعية من تنفيذ قرار دولي إلى بناء صفقة سياسية جديدة.

يمكن فهم لمن وُجّهت المبادرة فعلًا وربما تجد المبادرة وصاحبها عذراً في ذلك، فهي ليست معروضة على حزب الله بصفته الطرف المعني مباشرة بالسلاح والقتال. ومن المسلّم به أن الحزب لم يشارك في صياغتها، وأنها لم تُبنَ على تفاهم داخلي معه، وهو يرفض أصلًا منطق نزع السلاح ويرفض التفاوض ويتمسك بالدعوة لوقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي دون مقابل. لذلك لا يمكن القول إن المبادرة كانت موجّهة إلى الداخل اللبناني طلبًا لتسوية داخلية. هي في جوهرها رسالة إلى الولايات المتحدة: أعطونا وقفًا لإطلاق النار، واضغطوا على “إسرائيل”، واتركوا للدولة اللبنانية فرصة الإمساك بالجنوب ونزع السلاح، ثم نذهب بعد ذلك إلى تفاوض مباشر على الحدود والترتيبات النهائية. النص إذن لا يخاطب الحزب، بل يخاطب واشنطن؛ ولا يطلب تفاهمًا داخليًا، بل غطاءً خارجيًا. وهذه هي نقطة ضعفها الأولى التي توهّم أصحابها أنها نقطة قوة.

لكن ما إن ننتقل من النص إلى الاستقبال الأميركي حتى تظهر حقيقة أشدّ قسوة: المبادرة لم تُقابل أصلًا بالتبني الأميركي الذي وُضعت من أجله ولا حتى بالتعليق أو الاستعداد للنقاش. ما نُشر خلال اليومين الأخيرين يشير إلى أن واشنطن لم تدخل في منطق “وقف نار ثم نزع سلاح”، بل أعادت تثبيت معادلتها المعاكسة: لا تفاوض قبل نزع السلاح، ولا جدوى من تكرار المبرّرات اللبنانية، والدولة مطالَبة بالتحرك سريعًا ضد حزب الله. هذا ما نُقل عن رد أميركي سلبي ربط أي تفاوض مباشر مع “إسرائيل” بنزع سلاح الحزب بالكامل وبسرعة، وهو ما تكرّر أيضًا في تقارير أخرى عن ضغوط أميركية متزايدة لصالح الخيار العسكري أو على الأقل لصالح أولوية نزع السلاح قبل أي مبادرات سياسية، والتجاهل الأميركي ليس مجرد موقف إعلاميّ بل هو إهانة دبلوماسية فائقة الخطورة عرضت الدولة نفسها لتلقيها دون تحقيق أي مردود يستحق هذه المخاطرة.

أما “إسرائيل”، فلم تبدُ كأنها رأت المبادرة أو سمعت عنها، ويطفيها التجاهل الأميركي للمبادرة، لذلك لم يظهر أي استعداد إسرائيلي لفتح النقاش على تعديل أولويات تحظى بدعم أميركي محورها، نزع السلاح أولاً ثم نتحدث عن وقف النار والترتيبات والحدود، وبذلك تلاقى الأميركي والإسرائيلي على قاعدة واحدة: على الدولة اللبنانيّة أن تنزع السلاح أولًا، ثم يُنظر بعد ذلك في الباقي. وإذا صحّ هذا، فإن المبادرة لم تُواجَه فقط بتجاهل أميركي من حيث الشكل، بل بنسف فعلي من حيث المضمون، لأن الطرف الذي وُجّهت إليه رفض منطقها الأساسي أصلًا.

هنا تتكشّف النتيجة السياسية الأخطر. فالمبادرة، ما دامت لم تحصد تبنيًا أميركيًا ولا قبولًا إسرائيليًا، وفشلت حتى بفتح باب للنقاش حولها كمسودة قابلة للبحث، فهي لن تنتج وقفًا لإطلاق النار، ولن تفتح تفاوضًا، ولم تمنح الدولة فرصة عملية لتنفيذ ما وعدت به. ما الذي نتج عنها إذن؟ الذي نتج هو كشف سقف سياسي خطير: دولة مستعدّة، في النص المعلن، للذهاب إلى تفاوض مباشر مع “إسرائيل” على الحدود والترتيبات، ومستعدة لطرح نزع سلاح المقاومة كالتزام أحادي، من دون أن تحصل مسبقًا على انسحاب إسرائيلي أو حتى على ضمانة أميركية بوقف النار.

وهكذا تحوّلت المبادرة من أداة يفترض أن تضغط بها الدولة على الخارج، إلى نص يقرأه الخارج والداخل لاكتشاف إلى أين يمكن أن تذهب الدولة في التخلي عن أوراق السيادة. وكل مَن قرأها فهم أن ثمّة مَن يفكر في مقايضة خطيرة: جنوب منزوع السلاح وتفاوض مباشر وحدود قابلة للمساومة، مقابل أمن يتيح إعادة تشغيل المركز اللبناني تجاريًا وسياحيًا ومصرفيًا. ومع أن هذه المقايضة لم تحصل، فإن مجرد عرضها كفيل بتعميق الجرح ورفع مستوى التوتر الداخلي، وإظهار الدولة في فضيحة سيادية لا لأنّها نفذت ما طرحته، بل لأنها أظهرت استعدادها النظري للذهاب إليه من دون مقابل.

إذا أراد الرئيس اللبناني أن يرى بوضوح حدود الرهان على المبادرات التي تُقدّم تنازلات أمنية مقابل وقف النار، يكفي أن ينظر إلى النموذج السوري اليوم. فسورية قدّمت لـ”إسرائيل”، خلال السنوات الأخيرة، ما لم يقدمه أي طرف آخر في المنطقة: تعهدات أمنية صارمة، عداء معلن للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتهاون واضح في ملف استعادة الجولان المحتل. ومع ذلك لم تحصل دمشق على المقابل الذي يفترض أن يكون بديهيًا في أي مقايضة سياسية: لا انسحاب إسرائيليًا من الجولان، ولا حتى وقف الغارات والاعتداءات المتكررة على أراضيها. وهذا النموذج الثاني بعد اتفاقات أوسلو يحمل رسالة مباشرة لأي دولة تفكر في تقديم تنازلات أمنيّة مقابل وعود بالاستقرار. فإذا كانت سورية، بما تمثله من وزن جغرافي وسياسي وبما قدّمته من ضمانات أمنية لـ”إسرائيل”، لم تحصل حتى على وقف الاعتداءات، فماذا يمكن أن تتوقع دولة أصغر مثل لبنان؟ ثم إن المقارنة تكشف جانبًا آخر أكثر حساسية: مكانة الرئيس السوري لدى واشنطن ولدى دول الخليج وتركيا ليست أدنى من مكانة الرئيس اللبناني في هذه العواصم، بل ربما العكس، ومع ذلك لم يشفع ذلك لدمشق في الحصول على مقابل سياسي أو أمني من “إسرائيل”. وهكذا يتحوّل المثال السوري إلى درس سياسي قاسٍ: تقديم الضمانات الأمنية لـ”إسرائيل” لا يضمن وقف الاعتداءات، والتخلي عن أوراق القوة لا ينتج بالضرورة سلامًا أو استقرارًا، بل قد يفتح الباب لمطالب جديدة من دون أن يقدم الطرف الآخر أي التزام مقابل. وفي ضوء هذا النموذج، تبدو فكرة مقايضة الأمن والسيادة بوقف نار مؤقت رهانًا شديد الخطورة، لأن التجربة القريبة تقول إن “إسرائيل” تأخذ الضمانات الأمنية، لكنها لا تعطي في المقابل ما يوازيها.

الخلاصة أن المبادرة لم تمُت فقط ساعة ولادتها؛ بل وُلدت كاشفة لا فاعلة. لم تغيّر ميزان الحرب، ولم توقف النار، ولم تفتح باب الحل. كل ما فعلته أنها عمقت الانقسام الداخلي وزادت الشكوك والظنون، وكشفت نصًا سياسيًا يقول إن الدولة جاهزة للقبول بتفاوض تكون السيادة فيه على الطاولة طالما أنّها ليست شرطاً مسبقاً للتفاوض بل أحد مخرجاته، في لحظة كان يفترض فيها أن تتمسّك الدولة بالأرض كأهم عنصر من عناصر السيادة لا أن تعرضه للتفاوض.
ناصر قنديل