وتبقى فلسطين هي البوصلة رغم استمرار محاولات التعمية الاستراتيجية بالتوظيف الانتفاعي للدين والتلاعب بالطائفية!

الياس فاخوري

وتبقى فلسطين هي البوصلة رغم استمرار محاولات التعمية الاستراتيجية بالتوظيف الانتفاعي للدين والتلاعب بالطائفبة من “اخوان من طاع الله” الى “دعونا نصنع لهم إسلاماً يناسبنا” فطالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة فهيئة تحرير الشام والجذور والمشتقات والشقيقات!
■ هذا شريف مكة الحسين بن علي، قد رأى في “اخوان من طاع الله” “جمعية سياسية ترتدي العباءة الدينية، وتدعو للهجرة في سبيل الله، والحشد باسم الدين، والجهاد ضد الاخر والاغيار” .. وقد قامت هذة الجمعية في سياق تنفيذ اتفاقية سايكس/ بيكو لاجهاض “حلم الثورة العربية الكبری”؛ ذلك المشروع القومي العربي في الحجاز الذي استقطب مجموعة من الثوار العرب المناضلين ضد الصهيونية والاستعمار نحو دولة قومية عربية .. وعندما رفض الشريف حسين التخلي عن “حلم الثورة العربية الكبری” وابى الانصياع لرغبة الإنجليز الاكتفاء بمملكة الحجاز، قام الإنجليز بالإيعاز لبعض القبائل ومساعدتهم بإحتلال الحجاز اجهاضاً لهذه الثورة في سياق تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور! .. وفي عام 1925م تم النفي الثاني للشريف حسين الى قبرص حتى مرضه الأخير قبل ان يُنقل الى عمان، لتُعلن وفاته هناك، فالقدس ليوارى ثراها الطاهر! وكم قلت أنهم عملوا ويعملون علی ادغام العروبة بالاسلام بحجج التماثل والتقارب والتجانس في محاولة دؤوبة لاسكان العروبة وادراجها فلجمها منذ “اخوان من طاع الله”!
■ ثم جاءت “قبلة حسن البنا علی يد احد الزعماء ” افتراضيا او واقعيا والاجتماع مع “روزفلت” علی متن الباخرة “كوينزي” وما كُتب بخط اليد الرديء مرورا بالاخوين “دالاس” ابان عهد الرئيس “ايزنهاور” الذي عمل على إنشاء حلف اسلامي ضد العروبة والناصرية والاشتراكية مصحوبا بحملات دعائية بلبوس “اسلاموي”!

■ لن نقول ان جون فوستر دالاس منفردا هو من اخترع ذلك النوع الاعمى من الاسلام
(“دعونا نصنع لهم إسلاماً يناسبنا”) بحجة درء الشيوعية .. هذا النوع من الاسلام يفارق عبقرية النص وتفاعليتة .. هذا النوع من الاسلام ان هو الا نتاج ذلك التواطؤ الهائل بين العديد من رجال السياسة والعديد من رجال الدين لتدخل “داعش” (مثلاً) في كل واحد منا فندخل نحن في التأويل التلمودي للنص وللتاريخ، ونتيه خارج ديناميكية الزمن .. الم يلطخ “الزعماء الابشتاينيين” ايديهمم بالدم العربي وحول العالم لاغراض جيوبوليتيكية وبحثا عن الصفقات داخل طوفان الجثث الذي يجتاح كل الحدود ويحطم كل الاسوار، وكل ما هو خلاق وعبقري!
■ التحريض المذهبي صنعتهم, وخلق الفتنة منهجهم، وتزييف الوعي وهندسة العقول والإدراك صناعتهم. وتتجلى اليوم قدراتهم هذه في التحريض على صراع داخل المنطقة استنفاراً لشتى الانتمائات الديموغرافية والاثنية وإلدينية والمذهبية والثقافية والفكرية الأمر الذي يٌفضي الى مرحلة من الفوضى السياسية تعهد واشنطن لاسرائيل بادارتها توطئة لاحياء صفقة القرن، وبعثها وسيلةً ل”اسرائيل الكبرى”، من النيل الى الفرات، أو حتى “اسرائيل العظمى” التي تمتد من أول بيت على شاطئ المتوسط الى آخر بيت على شاطئ البحر الأحمر!
■ حاولوا و يحاولون ادغام “الوطن/العالم العربي” أو “الامة العربية” بما أسموه “العالم الاسلامي” .. كم قاتلوا ويقاتلون العروبة .. كم عملوا ويعملون على اسقاط القضية الفلسطينية باسلام على طريقة CIA (دعونا نصنع لهم إسلاماً يناسبنا) – يحاولون إسقاط القضية الفلسطينية بإسلام مسخم بالنفط والذهب الاسود!
■ اسلام يناسبهم، بالقراءة التوراتية، وحتى بالقراءة القبلية، للقرآن الكريم ليؤدي الى اعتلالنا التاريخي، والى اعتلالنا الايديولوجي، وحتى الى اعتلالنا الاستراتيجي، بعدما كنا قد لاحظنا أن الايديولوجيات في القرن العشرين (الشيوعية والنازية والفاشية) تحولت الى أديان، وأن الأديان في القرن الحادي والعشرين تحولت الى أيديولوجيات. وهذا مصاب الدين حين يتحول الى اداة للسلطة!
هكذا باستطاعة الفصائل (القبائل الآتية على الطريق الذي سلكه هولاكو منذ نحو 8 قرون) أن تقضي على العلويين (مثلاً مشددةً – لن نتحدث اليوم عمّا جرى ويجري في السويداء) الذين قال فيهم مرشدها الشيخ ابن تيمية: “من أصناف القرامطة الباطنية، وهم أكفر من اليهود والنصارى” .. اما اليهود اليوم فهم اشقاؤنا – أولم يقتل قايين شقيقه هابيل؟!
■ يريدون لنا أن نلاقي دينيس روس بكل حمولته اليهودية، و جاريد كوشنر و صحبه مبعوثي هيرتزل الی المنطقة .. يدعوننا الی عدم القلق من “الشقيقة اسرائيل” .. ويرون أنه يحق لنا أن نقلق من ايران صاحبة البعد الاري الذي يتقاطع مع البعد الاري في الشخصية الجرمانية ويشيرون الی أن الصليب المعقوف مستوحی من شعار ايراني قديم متصل بطائر الهوما ..

ثم يستفيضون بتحذيرنا من ظهور “هتلر الايراني” الذي سيغزو الشرق الأوسط بعربه ويهوده! من هنا تمخضت عبقريتهم البراجماتية عن ضرورة التحالف بين العرب وأشقائهم اليهود ضد الأعداء الغزاة الايرانيين، الفرس، المجوس، الصفوبين، الرافضة والعجم .. ولتسقط او تُذبح أو تُشتت منظومة المقاومة والممانعة!
■ عندها عرض برنارد لويس خرائطه طارحآ التحالف ضد “الخطر الايراني” كتكتيك لتسهيل تفكيك الدول العربية والاسلامية خدمة لاسرائيل وحماية لها من الخطر المصيري! وهذا يعيدنا إلى يوم أوقعنا “الخب” في الفخ بشن الحرب على ايران عام 1980.. اما بريجنسكي، فقد بدأ يفكر بتنشيط حرب خليجية ثانية لتفتيت المفتت و”تصحيح اتفاقية سايكس بيكو”.. وعليه قامت وزارة الدفاع الأميركية بتكليف برنارد لويس بوضع مشروع عملي لتفكيك المنطقة على أسس دينية، طائفية، مذهبية، عرقية، ثقافية .. وتمت المصادقة على مشروع لويس هذا في جلسة سرية للكونجريس الامريكي عام 1983!
هل تكون المتاهة اليمنية وهيروشيما البسوس مصداقآ لما زعمه وزير خارجية ترومان Dean Acheson عن اقتراب العقل العربي بحمولته الدينية من العقل الوثني فنتعاطى مع العالم على انه مهرجان للعدم؟ لعل هذا ما يفسر استدعاء “فارسية” ايران و”مجوسيتها” و”شيعيتها” يوم خلعت النجمة السداسية ورفعت محلها العلم الفلسطيني في طهران!
■ وماذا عن زيارة الرئيس الهندي ناريندرا مودي لدولة الكيان وما تبعها من تحرش طالبان بباكستان قبيل العدوان الصهيوامريكي الحالي على ايران!؟ هل يقلب هذا معادلة صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات رأساً على عقب!؟ هل تتحول المواجهة بين الحضارة اليهومسيحية والحضارة الكونفواسلامية الى المواجهة بين الحضارة اليهوهندوسية والحضارة الكونفواسلامية!؟
■ وهنا لا بد لي ان أكرر ان فلسطين هي خط التماس بين الأرض والسماء .. ووجود اسرائيل يرتكز الى وعلى سرقة ومصادرة الأرضِ الفلسطينية وطرد الشعب الفلسطيني وهذه هي النكبة .. وجود اسرائيل هو المرادف الطبيعي للنكبة العربية الفلسطينية .. وعليه فان ازالة النكبة ومحو اثارها يعني بالضرورة ازالة اسرائيل ومحوها من الوجود – لا تعايش، نقطة على السطر ..

■ وهذه الكتب السماوية تدعو الى المصالحة بالعدل والاستقامة والقسط والتسامح والانصاف:

● “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الحجرات – 9)

● وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ، مُتَسَامِحِينَ .. “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَٱذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ” (متّى – 15:18) .. والْوَيْلُ لَلْكَتَبَة وَالْفَرِّيسِيُّنَ الْمُنَافِقُينَ الذين أَهْمَلْوا الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالأَمَانَةَ .. اما الْمُتَخَاذِلُ أَمَامَ الشِّرِّيرِ فهُوَ عَيْنٌ عَكِرَةٌ وَيَنْبُوعٌ فَاسِدٌ.

■ وهنا لا بد من العودة ل”الراشِدَيْن” أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) والامام علي (كرّم الله وجهه) فلا نعوذ من المعضلة بل نأتي ب”علي” لها تيمّناً بقول الفاروق عمر: “أعوذ من معضلةٍ، لا عليّ لها .. اللّهمّ لا تبقني لمعضلةٍ ليس فيها أبو الحسن .. لولا عليّ لهلك عمر” .. وفي هذا السياق، نستحضر كلمة الإمام علي حيث رأى ان الناس صنفان: “أخ لك في الدين، ونظير لك في الخُلُق”.

وختاماً لنقرأ من سورة “البقرة – 191”: “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ” .. دعوها نائمة وتجنبوا “لعنة الله”!
فكما زينب، كذلك نحن “ما رأينا الا جميلا” ..
الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها وللمقاومين بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
كاتب عربي أردني