«حين يعتاد القويُّ سماعَ الصمت يظنّ أن الرفض تمرّد»
“وهمُ التفوّق لا يصنعُ عظمة، بل يصنعُ صدمةً عند أولِ كلمةِ لا.”
فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية
ليس كلُّ حضورٍ في قمّة المشهد دليلًا على العظمة، وليس كلُّ استعراضٍ للقوّة برهانًا على القدرة. أحيانًا يولد وهمُ التفوّق من بيئةٍ اعتادت الخضوع، ومن محيطٍ لا يعرف سوى الطاعة أو العجز أو الارتباك. في مثل هذا المناخ، يتشكّل الإدراك المشوّه للذات؛ فيرى المرء نفسه سيّدًا مطلقًا، لا لأنّه كذلك، بل لأنّه لم يواجه بعدُ من يقول له: كفى.
من هنا يمكن فهم جانبٍ مهمّ من المشهد المتعلّق بالتصعيد الأمريكي تجاه إيران خلال السنوات الماضية. ارتفعت نبرة التصريحات، وتضخّمت الصور الإعلامية عن حشودٍ عسكرية في البحار، وعن احتمالات حربٍ كبرى تلوح في الأفق. بدا المشهد وكأنّ مواجهةً فاصلة على وشك الانفجار. غير أنّ ما جرى – في جوهره – لم يتجاوز حدود الاستعراض والضغط النفسي. لا يعني ذلك استحالة نشوب الحرب، لكنّه يكشف عن حقيقةٍ أعمق: أن استعراض القوّة لا يساوي دائمًا القدرة على اتخاذ القرار.
الإدارة الأمريكية، رغم ما تمتلكه من أدوات عسكرية واقتصادية هائلة، ليست في موقع القوّة المطلقة كما صُدّرت الصورة لعقود. الوقوع في مأزق العراق، والفشل الذريع في أفغانستان، والتخبّط في إدارة صراعات المنطقة، كلّها شواهد على حدود تلك القوّة. التفوّق المادي شيء، والقدرة على فرض الإرادة شيء آخر.
إنّ الشعور المتراكم داخل بنية القرار الأمريكي، وخصوصًا في عهد إدارة Donald Trump، بدا أقرب إلى ارتباك القويّ حين يُفاجأ برفضٍ صريح. فالولايات المتحدة اعتادت نمطًا معيّنًا من الحكّام في غرب آسيا والشرق الأوسط: أنظمة ضعيفة، أو تابعة، أو منشغلة بتثبيت بقائها أكثر من انشغالها بالسيادة. في بيئة كهذه، تصبح عبارة “نعم” هي اللغة الرسمية الوحيدة.
غير أنّ إيران، منذ ثورة Ruhollah Khomeini عام 1979، اختارت مسارًا مختلفًا. تحمّلت عقوباتٍ اقتصادية خانقة، وحروبًا مباشرة وغير مباشرة، وحملات تشويهٍ إعلامي ضخمة، لكنها تمسّكت برفضها الانحناء. سواء اتفق المرء أو اختلف مع سياساتها، فإنّ الثابت أنّها كسرت نمط الطاعة التقليدي. قالت “لا” في وجه ضغوطٍ اعتاد أصحابها سماع الصمت.
هنا تكمن عقدة الصراع. ليست المسألة مجرّد توازن عسكري أو تنافس اقتصادي، بل صدام إرادات. إدارةٌ اعتادت أن يُنظر إليها بوصفها مركز العالم، تجد نفسها أمام طرفٍ يرفض الاعتراف بهذه المركزية. وكلّما اشتدّ الرفض، ارتفع منسوب التصعيد الخطابي. لكنّ الرغبة في لقاءٍ مباشر أو اتصالٍ سياسي، حين تتحوّل إلى أمنية مُلحّة بعد لغة التهديد، تعكس تحوّلًا في المعادلة. فالانتقال من التهديد إلى طلب الحوار ليس انتصارًا لغويًا، بل اعترافٌ ضمني بأنّ الإرادة المقابلة لم تُكسر.
وهمُ التفوّق يتغذّى من تاريخٍ طويلٍ من الهيمنة غير المُعارَضة. لكنّ التاريخ ذاته يُثبت أنّ أيّ قوّة، مهما عظمت، تفقد بريقها حين تعجز عن فرض رؤيتها إلا عبر الضغوط والعقوبات. العظمة لا تُقاس بعدد القواعد العسكرية، ولا بحجم الأساطيل، بل بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها دون استنزافٍ دائم.
إنّ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرّد نزاعٍ سياسي، بل اختبارٌ لصورةٍ ذهنيةٍ ترسّخت لعقود. صورةُ “القوّة العظمى” التي لا تُردّ لها كلمة. وحين تُرَدّ الكلمة، يظهر السؤال الحقيقي: هل كانت العظمة واقعًا، أم كانت انعكاسًا لبيئة أنظمةٍ بأغلبها لم تعرف المقاومة؟
في النهاية، ليست القوّة في أن تُخيف الجميع، بل في أن تواجه من لا يخافك. وحين يصبح الرفض حدثًا استثنائيًا، فاعلم أنّ المشكلة ليست في الرافض، بل فيمن اعتاد ألّا يُرفَض.
