الضم الزاحف لا يوقفه المؤتمرات ولا البيانات
كتب طاهر تيسير المصري..
تشير المعطيات الموثقة حتى شهر شباط 2026 إلى أن ما تشهده الضفة الغربية المحتلة لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة حوادث متفرقة أو انفلاتات أمنية عابرة للمستوطنين، بل كسياسة متراكمة تُنتج بيئة قسرية تدفع التجمعات البدوية والرعوية إلى النزوح القسري. فوفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم منذ شهر كانون الثاني 2023 وحتى 16 شباط 2026 تهجير (883) عائلة فلسطينية من (97) تجمعا بدوياً ورعوياً زراعياً، بما مجموعه (4,765) شخصا، تركز أكثر من (35%) منهم في منطقة الأغوار. الغالبية الساحقة من المتضررين تنتمي إلى مجتمعات تعتمد على الرعي والزراعة كمصدر رئيسي للعيش، وقد جاء نزوحها القسري نتيجة مزيج متكامل من عنف المستوطنين، والقيود التي تفرضها القوة القائمة بالاحتلال “إسرائيل” على الوصول إلى الأراضي والمراعي ومصادر المياه، وتدمير مصادر الرزق، وأوامر الهدم المرتبطة بعدم منح تصاريح بناء في المناطق المصنفة (ج)، حيث تكاد فرص الحصول على الترخيص تكون معدومة عملياً.
حتى منتصف شهر شباط من العام الحالي 2026، تم تهجير نحو (694) فلسطينيا، من بينهم قرابة (350) طفلاً، بما يعكس أن ما يقارب نصف المهجرين هم من الأطفال. وسجل شهر كانون الثاني 2026 أعلى حالة تهجير جماعي في تجمع واحد خلال السنوات الثلاث الأخيرة في منطقة رأس عين العوجا، حيث نزح حوالي (600) شخص دفعة واحدة. كما استمر النزوح في مناطق أخرى، من بينها مسافر يطا، بفعل التلاقي بين العنف الاستيطاني المحمي والمدعوم من جيش الاحتلال، والقيود المفروضة على الوصول إلى المراعي والينابيع.
وخلال الفترة بين 3 و16 شباط 2026 فقط، تم هدم (108) منشآت فلسطينية، بينها (29) منزلا و(55) منشأة معيشية وزراعية و(24) منشأة خدمات أساسية، ما أدى إلى نزوح (114) شخصاً إضافياً، بينهم (59) طفلا. وتُنفذ عمليات الهدم بذريعة “عدم الترخيص”، ضمن منظومة تخطيطية تقييدية لا تتيح فعليا للفلسطينيين إمكانية البناء القانوني في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. في المقابل، جرى تثبيت أو تحويل (69) موقعا استيطانيا إلى وضع يسمح بالتوسع والبناء، مع خطط للاعتراف الرسمي بحوالي (20) مستوطنة جديدة منذ بداية العام 2026، إضافة إلى تسريع إجراءات تسجيل الأراضي وإعادة تصنيفها بما يسمح بضم مساحات إضافية باعتبارها “أراضي دولة”.
بهذا المعنى، لا يبدو الاستيطان مجرد توسع عمراني، بل سياسة إحلالية تتكامل فيها أدوات التخطيط الإداري، والهدم، والعنف الاستيطاني، وحرمان الوصول إلى الموارد. فالتجمعات البدوية والرعوية الواقعة في محيط المستوطنات أو البؤر الاستيطانية الرعوية، وفي المنطقة المجردة (ج) عموماً، تتعرض لمنع الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي والاعتداء الجسدي عليهم، والاستيلاء على مصادر المياه، وإقامة بؤر رعوية مسلحة قرب مساكنهم، ومصادرة المعدات الزراعية والحيوانات، وتخريب الممتلكات وفرض قيود على الحركة، في ظل غياب حماية فعالة للسكان المدنيين. النتيجة ليست حادثا أمنيا عابرا، بل تفريغا تدريجيا للأرض من أصحابها الأصليين.
قانونيا، وبوصف الضفة الغربية أرضا محتلة، تنطبق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب. وتحظر المادة (49) من الاتفاقية النقل القسري الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، أياً كانت دوافعه، كما تحظر نقل دولة الاحتلال لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. ووفق التفسير المعتمد دوليا، لا يقتصر مفهوم النقل القسري على الإبعاد المباشر بالقوة، بل يشمل أيضا خلق ظروف معيشية قسرية تدفع السكان إلى المغادرة تحت وطأة الخوف أو انعدام سبل البقاء. وعليه، فإن نمط الاعتداءات المتكررة، وتقييد الوصول إلى الموارد الحيوية، وهدم المنازل والمنشآت، وحرمان السكان من الخدمات الأساسية، بما يؤدي إلى إفراغ التجمعات تدريجيا، يندرج ضمن مفهوم النقل القسري غير المباشر المحظور بموجب المادة (49).
كما تحظر المادة (53) من ذات الاتفاقية تدمير الممتلكات الخاصة إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي ذلك حتما، وهو ما لا ينطبق على هدم المنازل بذريعة عدم الترخيص في سياق تخطيط إداري تقييدي. وتُلزم المادة (27) دولة الاحتلال باحترام الأشخاص المحميين وضمان معاملتهم معاملة إنسانية وحمايتهم من جميع أعمال العنف أو التهديد. وقد أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وجود ارتباط سببي بين التوسع الاستيطاني وتصاعد العنف وخلق بيئة قسرية تدفع إلى النزوح.
ومن زاوية القانون الجنائي الدولي، يجرّم نظام روما الأساسي في المادة (8/2/أ/7) إبعاد أو نقل السكان المدنيين من الأراضي المحتلة بصورة غير مشروعة، كما تجرّم المادة (8/2/ب/8) نقل دولة الاحتلال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
وإذا ارتُكب التهجير القسري في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، مع العلم بهذا الهجوم، فإنه قد يندرج أيضا ضمن الجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة (7/1/د).
إن الأرقام،- (4,765) مهجراً قسراً منذ العام 2023، و(694) خلال الأسابيع الأولى من العام 2026، و(600) في حالة تهجير جماعي واحدة، و(108) منشآت مهدمة خلال أسبوعين فقط، إلى جانب تثبيت (69) موقعا استيطانيا وخطط الاعتراف بـ(20) مستوطنة جديدة-، لا تصف أزمة إنسانية فحسب، بل تكشف عن نمط متواصل تتكامل فيه أدوات القانون والإدارة والقوة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا. وهذا النمط، متى ثبتت عناصره، لا يشكل مجرد انتهاكات إدارية معزولة، بل يثير مسؤولية قانونية دولية تتعلق بحظر النقل القسري، وحظر الاستيطان في الأراضي المحتلة، وحماية السكان المدنيين.
غير أن توصيف الواقع قانونيا، على أهميته، لا يكفي سياسيا؛ فالاستيطان في الضفة الغربية ليس حدثا طارئا يمكن احتواؤه ببيان أو مؤتمر، بل مشروع طويل النفس يقوم على الضم الزاحف وإنهاء أي إمكانية واقعية لقيام دولة فلسطينية مستقلة. ما جرى بعد السابع من أكتوبر 2023، لم يؤسس لهذا المسار بقدر ما سرع وتيرته في ظل مناخ حرب مفتوحة وانشغال دولي، حيث تتكامل أدوار الحكومة والجيش والمستوطنين ضمن بنية واحدة تعيد تشكيل الوقائع على الأرض.
الإشكالية لا تكمن في غياب الخطط أو نقص التشخيص؛ فقد راكم الفلسطينيون عبر العقود وثائق واستراتيجيات لا تحصى. المشكلة الأعمق تكمن في الفجوة بين المعرفة والفعل، بين الإقرار بخطورة المناطق المصنفة (ج) وأولويتها، وبين توجيه الموارد الفعلية لحمايتها، وبين الخطاب الوطني العام وبين الحضور المنظم في الحقول والتلال وأطراف القرى والبلدات. إن الدعوة إلى أطر جامعة جديدة أو مؤتمرات إضافية قد تكون مفهومة في سياق البحث عن وحدة سياسية، لكنها تفقد جدواها إن لم تُسبق بمراجعة بنيوية لمسؤولية المؤسسات والقوى عن ضعف الحماية، وسوء إدارة بعض موارد الصمود، وتراجع البنية الشعبية المنظمة للدفاع عن الأرض.
من يعيش في خربة مهددة بالهدم أو في تجمع بدوي يتعرض يوميا لاعتداءات المستوطنين لا يحتاج إلى منصة خطابية جديدة، بل إلى ماء وكهرباء وطرق وعيادات ومحامين وحضور وطني دائم يمنع تحويل الاعتداء إلى أمر واقع. يحتاج إلى شبكة تضامن عملية، وإلى أطر شعبية من أبناء القرى أنفسهم، وإلى توجيه الموارد حيث يتحدد مصير الأرض فعليا. وإلى رقابة شفافة وجدية على أموال الصمود المخصصة للمناطق المهددة بالاستيطان، سواء عبر المؤسسات الرسمية أو مؤسسات المجتمع المدني، بما يمنع تحويلها إلى عنوان سياسي أو بند إداري، ويضمن توجيهها مباشرة إلى حيث يُرسم مصير الأرض فعليا.
الاستيطان مشروع إحلالي يتقدم بخطوات محسوبة، ومواجهته تتطلب نقل مركز الثقل من الخطاب إلى الميدان، ومن البيانات إلى الحماية الفعلية، ومن التنافس الحزبي إلى وحدة الهدف حول الأرض. ففي لحظة يتسارع فيها الضم الزاحف وتتراكم فيها عناصر البيئة القسرية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، يصبح واجب المرحلة هو تثبيت المسؤولية القانونية الدولية عن جريمة النقل القسري، وفي الوقت ذاته تحويل الصمود من شعار إلى ممارسة يومية منظمة. فالأرض لا يحميها من يخطب باسمها، بل من يثبت فوقها ويصونها بالفعل المنظم والمساءلة الجدية والإرادة السياسية الصلبة.
في المحصلة، نحن أمام واقع لا يحتمل الإنكار ولا التجميل. فحين تتكامل أدوات التخطيط التقييدي، والهدم المنهجي، والعنف الاستيطاني، وحرمان الوصول إلى الموارد، مع خطاب سياسي يقوم على الضم الزاحف، فإن الحديث لم يعد عن “إدارة أزمة”، بل عن إعادة تشكيل الأرض والديموغرافيا بالقوة، وهذه لحظة تعيد ترتيب الأولويات الوطنية بحيث تكون الأرض أولا، الحماية أولا، وتثبيت الناس في أماكنهم أولا.
الوقت الآن ليس للمؤتمرات الشكلية، ولا للبيانات التي يظن مطلقوها أنهم أدّوا بها واجبهم الوطني. فالبيان لا يوقف جرافة، والمؤتمر لا يمنع اقتحاما، والصياغات الإنشائية لا تعيد عائلة إلى خيمتها بعد هدمها. لقد راكم الفلسطينيون من الوثائق والخطط ما يكفي لملء أرشيف كامل؛ ما ينقص ليس النصوص بل الإرادة، وليس العناوين بل التنفيذ، وليس التشخيص بل الفعل المنظم، بما في ذلك بناء أطر شعبية منظمة تفرض حضورا دائما في نقاط الاحتكاك.
إن تحويل معركة الأرض إلى فعالية خطابية عابرة يحمل خطرا في منح شعور زائف بالإنجاز، بينما يتقدم الضم بخطوات عملية على الأرض. المطلوب اليوم بنية حماية حقيقية، وموارد موجهة مباشرة إلى التجمعات المهددة، ورقابة شفافة على أموال الصمود المخصصة للمناطق المهددة بالاستيطان، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في هدر هذه الأموال، وإقصائه عن أي دور وطني أو شعبي، لضمان أن تتحول الموارد والسياسات من شعارات وإجراءات شكلية إلى حماية فعلية للأرض وصمود أهلها.
ويصبح معيار الشرعية السياسية هو القدرة على تثبيت الناس في أرضهم، لا القدرة على إنتاج بيانات أكثر حدة.
كما أن المسؤولية لا تقف عند الفلسطينيين، فالمجتمع الدولي، الذي صاغ القواعد الواضحة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، مطالب بالانتقال من التعبير عن القلق إلى تفعيل أدوات المساءلة، لأن الإفلات المستمر من العقاب هو الوقود الحقيقي لمشروع الإحلال.
إن معركة الضفة الغربية المحتلة اليوم ليست معركة خطاب، بل معركة وقت وإرادة. ومن يملأ الفراغ على الأرض يحدد شكل المستقبل. وفي الوقت الذي يتسارع فيه الضم الزاحف، يصبح الاكتفاء بالكلمات ترفا سياسيا لا يملكه السكان في المناطق المهددة بالاقتلاع والتهجير القسري. لهذا، فإن واجب المرحلة يتمثل أساسا في نقل مركز الثقل من المنصة إلى الميدان، ومن البيان إلى الحماية الفعلية، ومن الشعور بالأداء إلى ممارسة المسؤولية اليومية، بحيث يتحول الصمود إلى فعل منظم يوازي حجم الخطر ويتقدم عليه، ويضمن حماية الأرض ووجود أهلها.
