ما يجري اليوم في الوطن العربي وإيران لم يعد مجرّد فصل جديد من الاستعمار أو الإبادة، بل هو انعكاس فجّ لعقيدة عالمية تُدار بها شؤون الكوكب، عقيدة توراتية هجينة، تتشابك فيها خيوط اللاهوت اليهودي الصهيوني بالمسيحية الإنجيلية الأمريكية، وتنسج معًا مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا موحّدًا، يخدم البنية الإمبريالية الحديثة ويعيد تشكيل العالم على مقاس الخلاص الموعود ونهاية الزمان.
هذا التحالف لم ينشأ في لحظة سياسية طارئة، بل هو ثمرة قرون من التحوّلات داخل العقل الديني الغربي. فمنذ صعود البروتستانتية في القرن السادس عشر، أعيد الاعتبار للعهد القديم على حساب العهد الجديد، وتحولت النبوءات التوراتية إلى مرتكزات لوعي استعماري جديد يرى في اليهودي عنصرًا ضروريًا لاكتمال النبوءة، وفي فلسطين أرضًا يجب أن تعود إلى “شعب الله المختار” كي يتحقق الخلاص المسيحي المنتظر.
غير أن اليهودي في هذا السياق لا يُستعاد بصفته إنسانًا، بل كوسيلة لاهوتية. الإنجيلي لا يحب اليهودي، بل يحتاجه كي يعود المسيح. ومن هنا، فإن الصهيونية، كما نعرفها اليوم، لم تكن يومًا نتاجًا عضويًا لليهود أنفسهم، بل مشروعًا صيغ داخل المسيحية الغربية الحديثة، ليؤدي وظيفة دينية/سياسية في آن، قوامها، تمكين إسرائيل، لا كدولة، بل كهيكل مقدّس يُمهد لمعركة هرمجدون.
التحالف التوراتي إذًا ليس مجرد تحالف بين مؤمنين، بل بين أجهزة. بين الكنيسة الإنجيلية الكبرى، والمجمّع الصناعي العسكري، وشبكات المال والإعلام. وقد تحوّلت المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، منذ منتصف القرن العشرين، إلى الدين غير المعلن للدولة العميقة. لم تعد إسرائيل حليفًا سياسيًا، بل مركزًا روحانيًا للإمبراطورية. وكل قنبلة تُسقط على غزة، تُعدّ خطوة ضرورية في خارطة الخلاص، حيث يُباد الرافضون، ويُكافأ الخاضعون، وتُدشَّن مملكة الرب على أنقاض الحقيقة والعدالة.
في هذا النموذج، تصبح الرأسمالية الحديثة عقيدة دينية مقنّعة، تقدّس السوق، وتُبارك الطائرات، وتحوّل الرب إلى قائد عام للقوات المسلحة. ليست الإمبريالية الغربية مجرّد بنية مادية للنهب، بل عقيدة إيمانية شاملة، تخلط بين الله والبورصة، بين الهيكل والبنتاغون، بين الإنجيل وحاملات الطائرات.
أما أوروبا، التي يفترض أنها وريثة عصر الأنوار، فقد خضعت لهذا اللاهوت الجديد تحت سيف الذنب النازي. ألمانيا، التي ترفع شعار (نيفر أغين never again)، تموّل الاحتلال وتدعم تل أبيب بالسلاح الثقيل. فرنسا، التي تتغنّى بحقوق الإنسان، تحاصر كل صوت يخرج عن سردية “الحق الإسرائيلي المقدس”. اليسار الأوروبي يتحدث عن فوكو، بينما يُطبّع مع البربرية في تل أبيب. لقد انكشفت الحداثة الأوروبية كمجرد طلاء هش فوق بنية استعمارية دينية تعيد إنتاج ذاتها بصيغ أكثر تحضّرًا وأشدّ فتكًا.
العرب، من جانبهم، لم يعودوا خارج هذه المنظومة، بل أُدمجوا فيها بوصفهم خدّامًا للهيكل الجديد. الأنظمة المطبّعة لا تنحرف عن مسار تاريخي، بل تؤدي وظيفة وُكلت إليها في منظومة الهيمنة، تبرّر الاحتلال، وتستثمر فيه، وتسوّق سرديته باعتباره شريكًا في التنمية والتقدم، لا استعمارًا إحلاليًا. لقد تمّت إعادة تعريف دورهم، ليسوا خصومًا في الصراع، بل أدوات لضمان استمراريته.
فلسطين، في هذا المشهد، لم تعد ساحة لصراع سياسي فحسب، بل أصبحت فضيحة كونية. مرآة تعكس عُري النظام العالمي، وتفضح تواطؤ اللاهوت مع المال، والنبوءة مع المجزرة، والخلاص مع التطهير العرقي. إنها تكشف عمق التواطؤ، وازدواجية الخطاب، وسقوط كل منظومة الأخلاق المعولمة التي تدّعي الدفاع عن الحرية بينما تموّل قنابل الفوسفور الأبيض.
إن المعركة ضد إسرائيل /الكيان لم تعد مجرّد معركة من أجل التحرر الوطني، بل مواجهة شاملة مع منظومة كاملة من الأساطير، والعقائد، والرساميل. إسقاط هذا الكيان ليس فقط تحريرًا لفلسطين، بل تحطيمٌ لأسطورة خلاص كاذبة تُدار من داخل وول ستريت، وتُروَّج عبر فوكس نيوز، وتُنفَّذ بمدافع البنتاغون.
نتنياهو ليس مجرد قائد سياسي، بل كاهن موت. والمسيحي التوراتي ليس مجرد متدين، بل مهندس الهيكل القادم. ومقاومة هذا المشروع تعني ضرب المنظومة اللاهوتية للرأسمالية من الداخل، وكسر الوهم المقدس الذي يُقدّم لنا السوق كقدر، والقوة كحق، والمذبحة كتحقّق لإرادة السماء.
في هذا الزمن الذي تُدير فيه النبوءةُ المعولمةُ العالم، تبقى فلسطين وحدها الحقيقة، لا كمكان، بل كمعيار. من يقف معها ينحاز إلى الإنسان ضد الفكرة، إلى التاريخ ضد الأسطورة، إلى الواقع ضد الخرافة المقدّسة.
عبدالله عبدالله/باريس
