الشهيد طه المداني… ظل القائد الذي حمى الدولة ليصدح صوتها في مواجهة الصهيونية.
عدنان عبدالله الجنيد
مقدمة: طه المداني… مهندسُ الأمن وفدائيُّ المسيرة:
لا تُبنى الدول إلا على عظامِ رجالٍ صامتين. كان طه المداني واحدًا منهم.
في منعطفات التحوّل الكبرى، لا يبرز أولئك الذين يصفون المشهد، بل الذين يعيدون تشكيله.
ومن بين هؤلاء، ينهضُ اسمُ الشهيد اللواء طه حسن إسماعيل المداني (أبو حسن)، لا كشخصية عابرة، بل بُنية وعي، ومدرسة أمن، ومعادلة ردع. سليل المجاهدين، الحصن الذي لم ينهار، وذاك الذي جعل الدم وطنًا والأمن سيرة.
لم تكن سيرة المداني سجلًا وظيفيًا، بل مسار أمةٍ مصغرة؛ من منابر الصرخة في جوامع صعدة وصنعاء، إلى زنازين القمع التي صقلت الإرادة، ومن أزقة “حرب المدن” إلى ميادين كسر أسطورة المدرعات.
رجل جمع بين حدس رجل الأمن، وجرأة القائد العسكري، وصفاء المجاهد الصادق.
لم أكتبه تأريخًا، بل وفاءً. رأيته مرة في زحام المعركة… لم يكن يتحدث، كان يفعل.
سِمات القائد… حين تنطق الأسماء بالمنجز:
طه… الطهر الذي صار هندسة للأمن:
اسم “طه” ليس لفظًا، بل دلالة. نداء قرآني للنقاء والوعي والإنسان الكامل. وهكذا كان المداني: ذكاء صابر، تخطيط عميق، ونَفَس طويل.
لم يكن ردّة فعل، بل عقل مبادرة؛ يرى ما لا يُرى، ويحسب ما لا يُحسب.
حسن… الجمال حين يتحوّل إلى خُلُق قيادي:
في “حسن” تجلّت الهيبة بلا قسوة، والحزم بلا فظاظة.
قائد محبوب، قوي القرار، عميق الوفاء، يجمع بين الصرامة المؤسسية والإنسانية العالية.
إسماعيل… صادق الوعد في زمن الخيانات:
كما النبي إسماعيل، كان أبو حسن وفيًا حتى الشهادة.
صبورًا في الحصار، ثابتًا في المواجهة، لا يُكثر الكلام ويُتقن الفعل.
قيادي يسمع نبض الميدان قبل تقارير الغرف المغلقة.
المداني… الوفاء بالعهود لا بالديون:
ليس “المداني” لقبًا لغويًا، بل سلوك دولة. رجل التزامات، شبكات، تنظيم، وضبط. يُمسك الخيوط دون أن يراها أحد، ويُدير الأزمات بعقل التاجر الأمين لا بمقامر السياسة.
العبقرية العسكرية… من صعدة إلى “مقبرة الدبابات”:
حين تتكسّر المدرعات أمام إرادة المشاة، وُلدت مدرسة طه المداني.
في الحرب الرابعة: جرح يتبعه جرح، وثبات يعلو ثبات.
في الخامسة: مجزرة الدبابات، حيث سقطت المدرعات في العراء أمام عقل يعرف الأرض كما يعرف الكف خطوطه.
في السادسة: صمود الصعيد والمقاش ستة أشهر أمام “الفرقة الأولى مدرّع”، حتى انكسر الهجوم وانتصرت الإرادة.
أكان ذلك حظًّا؟
أم علم ميدان، وحساب قوة، وفهم نفسية العدو؟
البناء المؤسسي… المهندس الأول للأمن والاستخبارات:
من “الجندي المجهول” إلى كابوس الأجهزة الدولية.
بعد الحرب السادسة، أدرك القائد أن النصر بلا أمن وهم مؤقت. فأسّس الجهاز الأمني كجهاز مستقل، لا تابع للعسكر، ولا رهينة للارتجال.
تفكيك خلايا عابرة للحدود، إحباط اختراقات استخباراتية معقّدة، إرباك حسابات واشنطن ولندن وتل أبيب.
رجل واحد؟
بل عقل جهاز كامل.
من حماية الداخل إلى معركة الأمة
حين جاءت ثورة 21 سبتمبر، كان المداني عمودها الفقري الأمني.
وحين بدأ العدوان، كان في المقدمة.
لم يختبئ خلف موقع أو منصب، بل سبق رجاله إلى الجبهات.
من حمى “ظهر الدولة” بصمت، مكّنها اليوم من أن تضرب في البحار، وتُحاصر الصهاينة، وتصدح باسم فلسطين.
الخاتمة: الشهادة والإرث… حين يتحوّل الدم إلى معادلة:
لم تكن شهادة اللواء طه المداني عام 2015 نهاية السيرة، بل بداية مدرسة. غاب الجسد، وبقي السند؛ ظل يحرس الدولة، ويُفشل المؤامرات، ويجعل اليمن رقمًا صعبًا في معادلة الجهاد المقدس.
كل إنجاز أمني اليوم، كل ضربة تُربك الصهيونية، كل صمود يُدهش العالم… هو ثمرة ذلك الغرس الذي سقاه أبو حسن بدمه.
تلك هي سيرة الرجال… تبدأ دماً، وتنتهي وطناً.
سلام على طه المداني.. الحاضر في كل رصاصة تخرق صدر الصهاينة، والمستقر في أمن كل دار يمنية.
