صوت اليمن الصامد.

أسماء الجرادي

الثالث عشر من فبراير يوم يحتفي فيه العالم بـ “اليوم العالمي للإذاعة”وتتجلى في يمننا قصةٌ فريدة، حكايةٌ يرويها كل مواطن بقلبٍ يمتلئ بالحب والإمتنان. إنها قصة وسيلة إعلامية تجاوزت كونها مجرد موجات، لتصبح شريان حياة، ورفيقة درب، ولسان حال شعبٍ أبى الانكسار. هذا اليوم يذكرنا بالدور العظيم الذي اضطلعت به الإذاعة اليمنية، لتكون بحق “فرسان الأثير” الذين يواصلون الليل بالنهار، ليظل صوت الحق يصدح، وليبقى اليمن متصلاً بقضاياه الكبرى، وعلى رأسها فلسطين.

تُعد الإذاعة في اليمن جزء أصيل من الهوية الثقافية والاجتماعية. فعلى مدى 11 عام من الحرب والعدوان أثبتت الإذاعة قدرتها على البقاء كمنبر أساسي للتوعية والتوجيه. ففي مجتمع غالبيته ريفي، حيث قد يندر الوصول إلى وسائل الإعلام الحديثة، يظل المذياع هو الصديق الوفي، يرافق الأجيال منذ نعومة أظفارهم في بيوتهم، حقولهم، وجبالهم. لقد توارث الأبناء حب هذا الصوت عن آبائهم، مما جعل الإذاعة مؤسسة تربوية متجذرة، تخرج منها وعي أجيال، وتُرسخ ولاءً عميقاً بين المستمع ومحطته المفضلة، حتى وإن باعدت المسافات. هذا الارتباط الوجداني هو سر قوة الإذاعة في يمننا، ويجعلها جزء من الهوية والذاكرة الجمعية للمجتمع.

منذ عام 2015، استُهدفت الإذاعات اليمنية بشكل ممنهج، حيث قُصفت مبانيها ودُمرت أجهزة إرسالها، في محاولة يائسة لإسكات صوت الحق. انقطع الأثير الذي اعتاد اليمنيون على سماعه من الفجر حتى المساء، تاركاً فراغاً مؤلماً في قلوب المستمعين، خاصة في المناطق الريفية التي كانت تعتمد عليها كلياً في ظل عدوان همجي لم يرحم حجراً ولا بشراً. لكن هذا الانقطاع لم يدم طويلاً، فبإرادة قوية وتضحيات فردية جماعية، عاد العاملون في هذه الإذاعات، رغم انقطاع الرواتب والمخاطر الأمنية الجسيمة، لإعادة بث أصواتهم. لقد كانت عودتهم رسالة تحدٍ، وتأكيداً على أن الشعب لن يصمت.

وهنا نتذكر بفخر إذاعات كـ “تعز” التي قُصفت ودُمرت ونهبت معداتها و”إب” التي واجهت القصف والخذلان، لكنها عادت بفضل رجالها الأوفياء. وإذاعة”الحديدة” التي تعرضت للقصف السعودي ثم الأمريكي-الصهيوني، وسقط عدد من كوادرها شهداء،والإذاعة الأم إذاعة صنعاء و”سام” و”صوت الشعب” الإذاعة التي تأسست في ظل القصف ومن بين الركام وجدت، لترافق المواطن في أقسى
الظروف فتخفف عنه اوجاعه وتقوي من عزائمه ، إنهم”فرسان الأثير” الذين لم ينالوا حقهم من التقدير الحكومي، لكنهم نالوا حب ووفاء الشعب.

عادت الاذاعة كانطلاقة جديدة، مدفوعة بروح المسيرة القرآنية المباركة. فاأصبحت الإذاعة اليمنية وسيلة عظيمة في تعليم الأجيال الثقافة القرآنية الإيمانية، لتنشئتهم تنشئة واعية بعيداً عن الإضلال والإفساد الذي حاول العدوان نشره. فاستعادت الإذاعة دورها المحوري في بناء الوعي الإيماني، لتكون حصناً منيعاً ضد الأفكار الهدامة، ومنبراً يغرس الاخلاق والقيم الإسلامية في نفوس الأبناء هذا التوجه امتد ليعزز قيم الصمود والمقاومة، ويُرسخ الارتباط بقضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين.

مع بدء العدوان الصهيوني على غزة وتحول بلادنا إلى جبهة إسناد فاعلة ومع العدوان الصهيوأمريكي على اليمن، أخذت الإذاعات دوراً كمنارات توجيه وطني. فقد ركزت على تعزيز الهوية اليمنية الأصيلة، وربطها عضوياً بالقضية الفلسطينية، مؤكدة أن المعركة واحدة والمصير مشترك. في زمن التضليل، كانت الإذاعة هي المرساة التي تثبت الوعي، وتُعلي صوت المقاومة، وتُرسخ مبدأ أن كرامة الأمة لا تُساوم عليها.

اشتعلت نيران العدوان الصهيوني على غزة، وكانت قلوب الشعب في اليمن تشتعل ألماً وغضباً. وهنا برز الدور المحوري للإذاعات اليمنية بشكل كبير. فكانت هي صوت الشعب اليمني الغاضب وتكاملت الرؤية الإعلامية لمعظم الإذاعات، الرسمية والمجتمعية، لتتحول إلى منابر مفتوحة لدعم المقاومة الفلسطينية. خصصت ساعات طويلة لتغطية أحداث غزة، وبثت برامج تضامنية ودعوات مؤثرة، واستضافت محللين وشخصيات اجتماعية واستقبل صوت المواطن وأوصلت كلماته ورسائله، فكانت جسراً حقيقياً يربط وجدان اليمن بفلسطين.

كانت القوة الدافعة وراء حشد الجماهير للمسيرات المليونية التي عمت صنعاء ومدن اليمن الأخرى. ففي المناطق النائية، حيث أعتاد ابنائها على سماع الإذاعة فكانت الإذاعة هي الصوت الوحيد الذي يحمل دعوات التضامن، ويُشعل جذوة الوعي بالقضية الفلسطينية، ويُرسخ في النفوس أن معركة اليمن وغزة هما وجهان لعملة واحدة في مواجهة الاجرام الصهيوني.

دورٌ عظيم لم يكن ليتحقق لولا تضحيات جسام. فأبطالنا خلف الميكروفونات، هؤلاء الإعلاميون الشجعان، يعملون في ظروف قاسيةويستحقوا منا الدعم والتقدير لجهودهم.

ونحن أبناء اليمن الصامد، وفي هذا اليوم نقف لنُوجه رسالة الشكر والتقدير والإمتنان لـ “ابطال الإعلام وصوت الأثير” الذين لم تُسكتهم الصواريخ، ولاالظروف الاقتصادية الصعبة التي عانوا منها جراء العدوان ، وبقوا أوفياء ثابتين على مبادئهم ومواقفهم برفقة مستمعيهم.

الإذاعة اليمنية نبضٌ حيٌّ لضمير أمة. من أثيرها، يمتد صوت اليمن الصامد، ليُعانق غزة الجريحة، ويُعلن للعالم أجمع أن هذا الصوت لن يُسكت، وأن هذا الشعب لن يتراجع عن نصرة الحق. فلتظل إذاعاتنا مناراتٍ للوعي، وجسوراً للتضامن، وشعلةً تُغذي الأجيال بالثقافة القرآنية الإيمانية، وتُعدهم لمواصلة الطريق حتى يتحقق الوعد الإلهي، وتعود القدس إلى أهلها، ويُشرق فجر النصر على أمتنا بأسرها.