رمضان تحت القصف الناعم: حين تتحول الشاشة إلى سلاحٍ ضد الوعي
وفاء الكبسي
بينما ترفع القلوب أبصارها إلى السماء، مترقبة هلال رمضان بوصفه موعدًا سنويًا لتجديد العهد مع الله، وتطهير الروح من غبار العام، تُخفض في المقابل شاشات كثيرة سقفها الأخلاقي، وتُشغَّل في الخفاء أخطر أدوات الهيمنة: ماكينة التلهية، لا لتسلية بريئة، بل لإدارة الغفلة.
ما يُعرض في رمضان اليوم لم يعد مجرد دراما أو منافسة فنية موسمية، بل هو مشروع إلهاء متكامل، يُدار بعقلية أمنية ناعمة، ويُنفَّذ عبر الفن، ويُموَّل بالمال السياسي، في أخطر توقيت زمني يمكن اختياره: شهر الصيام، شهر الوعي، شهر الانتباه. لسنا أمام وفرة إنتاج، بل أمام هندسة وعي معكوسة؛ حيث تتحول الشاشة إلى أداة ضبط اجتماعي، تُعيد تعريف القيم، وتُعيد ترتيب العدو والصديق، والخير والشر، والقدوة والنقيض.
إنَّ هذه الماكينة لا تعمل فرادى، بل ضمن نسق ثلاثي خطير: سياسي يموِّل، وفني ينفذ، وإعلامي يروِّج، فيما يُشكِّل الجمهور وقودًا مجانيًا لهذه الدائرة، يدفع اشتراكاته ويخسر وعيه في آن. وكما تُصمَّم السجون الحديثة بحيث يراقب السجَّان بأقل جهد، تُصمَّم برامجنا لتُلهينا بأقل قدر من المحتوى الجاد، وأكبر قدر من الإدمان العاطفي.
فالدراما التي تقودها شبكات كبرى لا تعكس واقع الإنسان العربي المقهور، بل تعيد صياغته بما يخدم استمرار المنظومة الحاكمة، وتُنتج مواطنًا مُعاد التشكيل: مستهلكًا لا سائلًا، ومشاهدًا لا شاهدًا. وحين تفشل الأنظمة في تحقيق العدالة أو الكرامة أو التنمية، تبحث عن بديل أقل كلفة وأكثر فاعلية: التخدير الجمعي.
إنَّ المتلقي العربي اليوم لا يُقبل على هذه المواد لأنه سطحيّ بالضرورة، بل لأنه منهَكٌ من واقعه، منهزمٌ من سعيه، فيبحث عن مَهربٍ لا عن وعي. وهنا تكمن الخديعة: أن تُقدَّم له الجرعة المخدرة على أنها تعويض عن الحرية، والضحك على الذات على أنه تحرر من القيود، والتطبيع مع الانحدار على أنه انفتاح وتقدُّم.
وهنا تصبح الشاشة سلطة موازية، بل أداة حكم، تُمارس ما تعجز عنه القوانين؛ فتُطبّع القبح، وتُسفّه القيم، وتُجرّم التدين، وتُقدّم الانفلات الأخلاقي بوصفه تحررًا. في هذا الخطاب الدرامي، المتدين إما متطرف أو منافق، والأسرة عبء يجب التمرد عليه، والمرأة القوية هي المنفصلة عن قيمها، والفقير مادة للسخرية أو الجريمة. وهذا ليس خطأً فنيًا، بل منهجية كيّ وعي تستهدف آخر خطوط الدفاع في المجتمع: الضمير، والأسرة، والمرجعية الأخلاقية.
الأبعاد الخفية وراء الاستهداف تكمن في أنَّ رمضان شهر خطر على أنظمة لا تريد شعوبًا مستيقظة. ففي رمضان، يهدأ الجسد وتصفو الروح، ويقوى الاستعداد للسؤال والمراجعة، وهذا بالضبط ما تخشاه قوى الاستكبار. لذا تُضَخّ المليارات في مسلسلات سطحية، وبرامج مقالب تقوم على الإهانة المقنّعة، وتحويل الإنسان إلى مادة للضحك، في انتهاك فجّ لكرامته، تحت مسمى الترفيه.
وليس هذا المشروع ثقافيًّا فحسب، بل هو اقتصادي ربحي بامتياز. فوراء كل مسلسل تافه إعلانات بملايين الدولارات، وشركات منتجة تقتات على هذا النمط، واقتصاد كامل قائم على تحويل الإنسان إلى مجرد عينين تشاهدان وأصبع ينقر لشراء المنتجات المعروضة. إنه استعمار جديد، لكنه هذه المرة يستعمر العقل والوقت، ويجني الأرباح من تشويه الهوية.
الهدف واضح: أن يخرج الصائم من يومه مُستنزفًا ذهنيًا، مثقلًا بصراعات وهمية، وعلاقات مشوهة، وقصص خيانة لا تنتهي، حتى لا يبقى في داخله متسع للتفكير في الأسئلة الحقيقية: من ينهب؟ من يقرر؟ من يقتل؟ ومن يصنع هذا الواقع؟ إنها سياسة إدارة التيه؛ أن ينشغل الناس بسؤال: من القاتل في المسلسل؟ كي لا يسألوا السؤال الأخطر: من قتل المستقبل؟
أين المثقفون والفنانون الحقيقيونمن كل هذا؟ لقد تحول كثيرون منهم إما إلى صانعي تماثيل في معبد النظام العالمي، أو إلى صامتين خلف جدران اللامبالاة. إنَّ الصمت اليوم ليس حيادًا، بل هو تواطؤ. وغياب البديل الفني الراقي ليس أزمة إبداع فقط، بل هو جزء من المخطط: إفراغ الساحة من كل منافس جاد للتفاهة.
ما يجري هو اغتيال وقائي لأي صحوة محتملة؛ سلطة تسمح وتغضّ الطرف، إعلام ينفذ ويقبض، نخب تصمت خوفًا أو طمعًا، وجمهور يدفع الثمن من وقته، ودينه، وهويته. إن تفكيك المجتمع عبر تسفيه القيم وتطبيع الرذيلة ليس مسألة ذوق أو حرية تعبير، بل استهداف مباشر للأمن الثقافي للأمة؛ فالمجتمع الغارق في التفاهة مجتمع سهل الانقياد، لا يحتج، لا يتذكر، ولا يحلم.
ومع ذلك، لم يكن رمضان يومًا شهر الاستسلام، ولا موسم التخدير، بل شهر الفرقان؛ شهر الفصل بين الوعي والغفلة، والحق والباطل، والحرية والعبودية. والتاريخ يُعلّمنا أن أعتى أدوات الهيمنة تنكسر حين يدرك الإنسانُ العادي أنها تُسرق منه شيئًا ثمينًا.
والمقاومة تبدأ بما يبدو بسيطًا:
· مقاطعة واعية: ليست انغلاقًا، بل انتقاءً حاسمًا. فكل نقرة تحسب.
· حوار أسري: مناقشة المضامين مع الأبناء، وتفكيك الرسائل الخفية.
· دعم البديل: البحث عن المحتوى الهادف ودعمه حتى ولو كان محدود الانتشار.
· صناعة المحتوى: تشجيع المبدعين الشباب الذين يرفضون الانصياع لآلة التفاهة.
· التربية الإعلامية: تعليم النقد الإعلامي في المدارس والمساجد والبيوت.
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ومن يدرك معنى الفرقان، لا يُقاد بسهولة، ولا يُستدرج خلف صورة أو حكاية.
إن معركة الوعي في رمضان ليست معركة منع شاشة، بل معركة استعادة بوصلة؛ أن يعي الإنسان ما يُعرض عليه، ولماذا يُعرض، ولصالح من. وقد حذّر الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه بقوله: «حين يُفصل الإنسان عن وعيه، يصبح أداة بيد عدوه وهو لا يشعر». وأكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله المعنى نفسه حين قال: «المؤامرة على أمتنا تبدأ من إفساد وعيها، وإذا صَحا الوعي سقطت كل أدوات الهيمنة».
فلنجعل من رمضان هذا العام محطةَ تحرر، لا محطةَ استلاب. ولنكن ذلك الجيل الذي يرفض أن يكون رقمًا في نسب المشاهدة، أو زائرًا سلبيًا لمسلسلات تبيع أوهاما.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره في رمضان ليس ساعات أمام شاشة، بل وعيًا كان يمكن أن يُبعث، وروحًا كان يمكن أن تُستنهض، ومسؤولية كان يمكن أن تُستعاد. فمن يُفرّط بوعيه في شهر القرآن، سيجد نفسه في بقية العام أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على التميي
رمضان ليس شهر المسلسلات، بل شهر الرسالة.
وليس موسم الترفيه، بل موسم التحرر الداخلي.
ومن أراد أن يحمي وطنه، فليبدأ بحماية وعيه.
ومن أراد أن يصون كرامته، فليُحسن اختيار ما يدخل عقله وقلبه.
لنعيد لرمضان روحه: شهرَ الجهاد الأكبر على النفس، وشهرَ الفرقان بين الحق والباطل. فالشاشة سلاح ذو حدين: إما أن تكون نافذة تطل بها على غفلة العالم، أو تكون مرآة ترى فيها نفسك وأمتك ومستقبلك.
في النهاية، إما أن يكون رمضان بوابة يقظة، أو يتحول – لا قدّر الله – إلى غرفة إنعاش للغفلة.
والاختيار، في النهاية، بين يديك.
