حين تندم الأمم: العرب بين وهم التغيير وحقيقة التفكك…
فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
لماذا تندم شعوبٌ بأكملها على أنظمةٍ كانت، حتى وقتٍ قريب، موضع شكوى وانتقاد دائم؟
ولماذا يتحول الماضي، بكل ما فيه من قمع وفساد وإخفاقات، إلى مرجعٍ أقلّ سوءًا من حاضرٍ يُفترض أنه وُلد باسم الحرية والديمقراطية والعيش الكريم؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل صار واقعًا يوميًا تعيشه شعوب عربية عديدة. فبعد موجات “التغيير” التي اجتاحت المنطقة منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، بدأت ملامح الندم تظهر بوضوح. أحلام الحرية والديمقراطية والرخاء تبددت، وتحولت إلى وعود غير قابلة للتحقق، بل إلى كوابيس مفتوحة. وهنا يبرز السؤال الأعمق: أين أخطأت تلك الشعوب؟ وكيف سمحت لنفسها أن تُخدع؟
يبدو أن الخطأ لم يكن في الرغبة بالتغيير بحد ذاتها، بل في طبيعة الوعي الذي قاد هذا التغيير. لقد صُدّق وهمٌ كبير اسمه “الغرب”. غربٌ لا يبالي بكيف نعيش، ولا يعنيه استقرار الشعوب أو كرامتها، بل مصالحه وحدها. كل ما رُوِّج من شعارات براقة لم يكن إلا كذبة مُتقنة الصياغة.
والنفس البشرية، بطبيعتها، تميل إلى تصديق كل ما هو إيجابي، حتى لو لم يكن مرتبطًا بوقائع على الأرض. لهذا نرى أعداد من يستمعون إلى الأبراج أو يلجؤون إلى المنجّمين في ازدياد مستمر. الحالة ذاتها انسحبت على السياسة؛ فقد صدّق العرب أن القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ستدعمهم لإسقاط أنظمة ديكتاتورية أو فاشلة، تمهيدًا لبناء دول حديثة وعادلة. لكن ما حدث كان نقيض ذلك تمامًا.
ولو عدنا بالتاريخ قليلًا إلى الوراء، لوجدنا أن الوطن العربي لم يكن، في يوم من الأيام، ممزقًا بهذا الشكل. من المحيط إلى الخليج، كانت المنطقة وحدة جغرافية وحضارية متصلة، قبل أن تبدأ مرحلة إعادة التشكيل التي رافقت نهاية الحرب العالمية الأولى (1918) وسقوط الدولة العثمانية، وصولًا إلى إعلان قيام ما يسمى بدولة إسرائيل عام 1948.
حينها، فُككت الخريطة الكبرى، وزُرع كيان جديد في قلب المنطقة، وحُوِّلت شعوب تشترك في التاريخ والحضارة والجغرافيا والدين إلى دول متناحرة، بما يعبد الطريق للهيمنة والسيطرة.
اليوم، نحن نعيش مرحلة شبيهة بتلك المرحلة: إعادة تشكيل، إعادة تقسيم، وإعادة إنتاج للفوضى. ولو أُجري استفتاء حقيقي في بعض الدول التي أطاحت بأنظمتها، لكانت النتائج صادمة.
العراق في عهد صدام حسين، رغم ديكتاتوريته، كان أفضل بعشرات المرات من العراق الحالي بعد 2003. سوريا، ليبيا، السودان… والقائمة تطول. الندم بدأ ينهش الوعي العربي، بينما لا تزال بعض الممالك تكرر الخطأ ذاته، وتصدق وهم التطور السريع، والثقل الإقليمي، والتحول إلى “قبلة للحضارة والعيش المرفه”.
فكيف لأمة بهذا العمق الحضاري أن تغدو محتاجة لمن يديرها أو يوجّهها؟
أمة كانت مصدرًا للعلم والمعرفة، واللغة، والأدب، والفن؟
الجواب، على الأرجح، يكمن في طبيعة التغيير نفسه. لقد رُفعت شعارات راقية، لكنها كانت مرتبطة بتعصب ديني وعرقي وطائفي. ولو كان التغيير وطنيًا جامعًا، لتبدلت الصورة كليًا. لكن الخطأ العربي المتكرر أن الوطن يأتي في آخر سلم الاهتمامات، بينما تتقدم الطائفة، ثم مصلحة الطائفة، ثم خطاب الأقليات والأكثريات الذي لا ينتهي.
نسمع دائمًا: “نريد أن نعيش”، و“انظروا إلى أوروبا أين أصبحت”، دون أي مساءلة حقيقية لعيوب المجتمع الغربي، من تفكك أسري، وأزمات هوية، وآفات اجتماعية متفاقمة.
ومنذ اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980، جرى تعزيز هذا المسار الطائفي بشكل ممنهج، حتى بات العرب يحملون حقدًا على إيران “الشيعية” أكثر من إسرائيل، الكيان السارق المصطنع، العدو الأول تاريخيًا. لم يعد التنازل عن فلسطين خطًا أحمر، بل أصبح مقبولًا، بينما صُوِّرت إيران على أنها الخطر الوجودي.
هكذا صدّقنا “ديانات سياسية جديدة”، وتعايشنا مع كيان مغروس بيننا، كما يتعايش الجسد مع مرض السرطان بانتظار أن يقضي عليه.
في الحرب العراقية–الإيرانية، تعاطف العرب مع العراق ظاهريًا من منطلق قومي، لكن باطنيًا كان الكره مذهبيًا. هناك وضع الغرب حجر الأساس لتفتيت المنطقة، وزرع الطائفية التي نمت تدريجيًا حتى أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم.
وهنا يبرز سؤالان مصيريان:
كيف تصبح فلسطين، والقبلة الأولى، ومهد المسيح، وكنيسة القيامة، واستباحتها اليومية، خبرًا عاديًا يمر في الصحف مرور الكرام؟
وفي المقابل، لماذا تُستنهض “الغيرة الدينية” فور ذكر إيران؟
والسؤال الثاني:
كيف يمكن تجاهل حضارة فارسية عمرها آلاف السنين، منها سلمان الفارسي، ومنها من كان ينتظر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ومنها بوابات علم وأسماء علماء لا يمكن محوها بممحاة الحقد أو السخرية؟
متى يتقبل القومي الإيراني العربي شريكًا في الدين والتاريخ والجغرافيا؟
ومتى يتقبل العربي شراكة الحرف على الأقل، ويفهم أن هذه الحضارات متشابكة تاريخيًا؟
أليس هذا الشقاق، أولًا وأخيرًا، في خدمة الغرب ومشروعه الاستعماري، والولايات المتحدة ومشروعها الإمبراطوري؟
وكيف انقلبت المعادلة، فصار السلام مع الكيان مطروحًا، ومستحيلًا مع إيران؟
حين كان الغرب يتنامى، كانت حصون العرب تتهاوى. وآخر الحصون سقط مع مطلع الألفية الثالثة. لم يبقَ للعرب سوى خطوط دفاع صغيرة، لكنها مؤثرة: في غزة، جنوب لبنان، اليمن.
فهل من صحوة تمنع تكرار الأخطاء؟
وهل من أمل في خلع ثوب المذهبية وارتداء ثوب الحق الوطني والإنساني، على قاعدة: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»؟
المفارقة التاريخية أن العرب كانوا ينحدرون بينما كانت إيران تبني حصونًا قوية أقلقت الغرب، الذي يعمل منذ سنوات على اختراقها عسكريًا واقتصاديًا ودينيًا وثقافيًا.
اليوم، المشهد يتبدل:
العرب في موقع المفعول به، باستثناء مقاوماتهم.
الغرب بدأ ينحدر، وأوروبا تتفكك.
وإيران تتصدر المواجهة شبه وحيدة.
أما السؤال الأخير… فأتركه لك، عزيزي القارئ.
الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة، بل حين تُضلَّل عن عدوها الحقيقي، وتقاتل ظلّها بدل من يقف خلف الضوء.
