إيران: حين تصبح المقاومة دفاعًا عن العالم لا عن الحلفاء
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه خصوم إيران – وبعض أنصاف المؤيدين – هو الاعتقاد بأن السياسة تُبنى على الحب والكره، أو على التطابق الأيديولوجي.
المقاومة، في معناها العميق، لا تعمل بهذه الطريقة.
هي لا تسأل: من يشبهني؟
بل تسأل: من يُكسَر؟ ولماذا؟ ومن التالي؟
من هنا فقط يمكن فهم مواقف إيران التي يراها السطحيون “تناقضًا”، بينما هي في الحقيقة خط دفاع واحد ضد مشروع واحد.
تركيا
إيران اختلفت مع تركيا، وخاصمتها، وواجهتها سياسيًا في أكثر من ساحة.
لكن عندما حاولوا إسقاط الدولة التركية عبر انقلاب عسكري، توقّف كل شيء آخر.
لأن الانقلاب ليس خلافًا داخليًا، بل أداة سيطرة إمبراطورية.
إيران تعرف هذا جيدًا، فقد دُفع شعبها ثمن انقلاب 1953 حين سُرقت إرادته باسم “الاستقرار”.
نجاح الانقلاب في تركيا كان سيعني:
أن الجيوش تعود لتكون أدوات السفارات،
أن الدول الكبيرة ليست محصّنة،
وأن أي نظام لا يطيع واشنطن يمكن إسقاطه بزرّ واحد.
لهذا وقفت إيران، لا دفاعًا عن أردوغان، بل دفاعًا عن حق الدول في ألا تُكسَر من الداخل لصالح الخارج.
قطر
قطر ليست جزءًا من محور المقاومة، ولا من حلفاء إيران التقليديين.
لكن حصارها كشف شيئًا أخطر من الخلافات الخليجية:
كشف أن العزل الاقتصادي يمكن أن يصبح بديلًا عن الحرب.
إيران فهمت أن ما جرى ليس عقابًا، بل تجربة:
خنق دولة حتى تغيّر قرارها،
تطويع سيادتها بلا طلقة واحدة،
وتحويل الصمت إلى شراكة في الجريمة.
من يقبل بهذا النموذج اليوم، سيُخنق به غدًا.
لهذا كسرت إيران الحصار، لأن المقاومة ليست أن تنتظر دورك.
أفغانستان
إيران قاتلت طالبان، وعرفت وحشيتها، ودفعت ثمن الصراع معها.
لكن ما كشفته أفغانستان بعد عشرين عامًا من الاحتلال الأمريكي كان أكبر من طالبان نفسها.
الدولة التي بنتها واشنطن:
انهارت في أيام،
تبخّرت مؤسساتها،
وسقط قناع “الديمقراطية المصدّرة”.
إيران أدركت أن:
العدو المحلي، مهما كان قاسيًا، أقل خطرًا من دولة مصمّمة خارجيًا لتبقى فاشلة وتابعة.
التعامل مع طالبان لم يكن مصالحة، بل رفضًا لاستمرار أفغانستان كمختبر دائم للفوضى الأمريكية.
روسيا
دعم إيران لروسيا لا علاقة له بالأخلاق المجردة، بل بالوعي التاريخي.
ما يجري في أوكرانيا هو محاولة لإعادة فرض عالم تُكسَر فيه الدول بالقوة الاقتصادية والعسكرية إذا خرجت عن الطاعة.
إيران تعرف أن:
من يُصفّق اليوم لإخضاع روسيا،
سيجد العقوبات والانقلابات والحصار على بابه غدًا.
ومن زاوية المقاومة:
عالم بلا توازن = “إسرائيل” بلا رادع.
لهذا، الدفاع عن روسيا هو دفاع عن حق الشعوب في ألا تُحكم بإملاء واحد.
هذه ليست تناقضات… هذا خط واحد
إيران لا تبحث عن أنظمة متشابهة، ولا عن حلفاء مثاليين.
هي تبحث عن منع جريمة واحدة تتكرّر بأسماء مختلفة: كسر الدول.
الانقلاب،
الحصار،
الدولة المصنّعة،
الحرب بالوكالة…
كلها أدوات لمشروع واحد يريد عالمًا هشًا، تُدار فيه الفوضى لمصلحة واشنطن و”تل أبيب”.
«المقاومة الحقيقية ليست أن تختار من تقف معه، بل أن تمنع عدوك من جعل كسر الدول قانونًا يحكم الجميع.»
