لم تعد الحروب في عصرنا تُدار بالدبابات والطائرات فقط، بل انتقل الثقل الاستراتيجي إلى معركة أكثر خطورة: حرب العقول والإدراك. لقد تحوّل الصراع من مواجهات عسكرية صريحة إلى حرب هجينة تعتمد على تفكيك البنى المعرفية وهندسة الإدراك الجمعي. في هذا المشهد المعقد، تبرز استراتيجية “إغراق المنطقة الرمادية” كأحد أخطر أسلحة العصر، حيث تُذاب الحقائق في بوتقة من التضليل المُمنهج، وتُسرق القدرة على التمييز بين الواقع والخيال.

هذه الاستراتيجية لا تعتمد على الكذب الفجّ الذي يمكن دحضه بسهولة، بل على خلق بيئة معلوماتية معقدة تضيع فيها المعالم وتذوب الثوابت. إنها عملية ضخ منهجية للمعلومات الناقصة، والروايات المتوازية، والتحليلات المتناقضة، حيث يصبح كل حدث قابلاً لعشرات التأويلات المتساوية ظاهرياً في قيمتها. والنتيجة النهائية ليست إقناع المتلقي برواية محددة، بل شلّ قدرته على الحكم وإصابته بما يُعرف بـ”الشلل التحليلي”.

في هذا الفضاء المشوَّش، تذوب الخطوط الفاصلة بين المعتدي والمعتدى عليه، بين الحق والباطل، بين الجلاد والضحية. يتحول السؤال الجوهري مِن “من المسؤول؟” إلى “الصورة معقدة”، ومِن “ما الحقيقة؟” إلى “يوجد مبررات لكل وجهة نظر”. وهنا تتحقق الغاية الاستراتيجية؛ ألا وهي تحييد الغضب الجمعي، وتفريغ الأحداث من شحنتها الأخلاقية والوطنية، وتسهيل تمرير المشاريع السياسية تحت غطاء الضبابية المصنوعة.

تشكل التطورات الميدانية بين قسد والجولاني نموذجاً حياً لتطبيق هذه الاستراتيجية ببراعة. فما يُصوَّر إعلامياً على أنه “اشتباكات” أو “صراع نفوذ محلي” هو في الواقع مشهد أكثر تعقيداً وتخطيطاً. الحقيقة المغيبة أن كلا الطرفين يمارس حرب سرديات موازية، حيث يبثان تصريحات عن “انتصارات” و”عمليات عسكرية” و”سيطرة” وهمية أو مبالغ فيها، في محاولة لكسب رأس مال معنوي ونفسي حتى عندما لا تتوافق هذه الادعاءات مع الوقائع الميدانية.

يكمن التضليل هنا في العزل المتعمد لهذه الاشتباكات عن سياقها الجيو-سياسي الأوسع. يتم تقديم المشهد كخلاف داخلي سوري بحت، بينما هو في الحقيقة جزء من معادلة إقليمية ودولية معقدة، حيث تؤدي هذه الاشتباكات وظيفة محددة في إطار عمليات إعادة ترسيم النفوذ واختبار للتحالفات وتهيئة الأرضية لمشاريع سياسية أخطر. الإعلام هنا لا يكذب بالضرورة في نقل أحداث السيطرة والاشتباكات، لكنه يضلل عبر تغييب جوهرها وسياقها الاستراتيجي، وعزلها عن مسارها العام ضمن المشروع السياسي الأوسع والذي تديره أيادٍ أجنبية معروفة!

عبر التكرار المنهجي لهذه الأنماط الإعلامية، يتسلل إلى الوعي الجمعي شعور خبيث بأن محاولة الفهم عبء ثقيل، وأن اللامبالاة راحة نفسية، وأن الصمت أكثر أماناً. ينتج عن هذه العملية ما يمكن تسميته بـ”الإرهاق المعرفي” الذي يصيب المتلقي بالشلل التحليلي ويجعله مستعداً لتقبل أبسط التفسيرات وأكثرها سطحية.

يتعرض القارئ السوري، والعربي عمومًا، يومياً لهذه الآلية عبر دورة معلوماتية مضللة تبدأ بأخبار عاجلة بلا سياق، تتحول إلى تحليلات توهّم التعقيد، ومئات التعليقات من شخصيات وهمية تكذِّب وتصدّق الخبر، وأخرى تشتم وتلعن وتكفِّر، إلى أن ينتهي اليوم باتهامات وتهكّمات بكل من يجرؤ على طرح تساؤل أو يبحث عن الحقيقة

تمثل هذه الاستراتيجية أداة فعالة لتمرير التغييرات الجيو-سياسية الكبرى دون مواجهة مقاومة شعبية حقيقية. ففي خضم الضجيج الإعلامي والجدل حول التفاصيل الثانوية، تُمرَّر الاتفاقيات السياسية، وتُعاد ترسيم مناطق النفوذ، وتُفرض الوقائع الجديدة على الأرض، فالشعوب التي تعاني من الإرهاق المعلوماتي تصبح عاجزة عن تكوين رؤية متكاملة تسمح لها بمقاومة هذه التغييرات أو حتى إدراك حجمها الحقيقي. وهكذا، تُنجز المشاريع الاستعمارية الحديثة في صمت، بينما الجماهير منشغلة بتتبع الأخبار المتناقضة ومنهكة في محاولات فهم ما يجري.

إغراق المنطقة الرمادية هي استراتيجية إعلامية متكاملة لحرب الوعي في القرن الحادي والعشرين. إنها حرب لا تستهدف الأرض والجغرافيا فقط، بل تستهدف العقل والقدرة على التمييز والحكم. في مواجهة هذا الهجوم المنظم، يصبح السعي لفهم الحقائق واستعادة السياق التاريخي والجيو-سياسي شكلاً من أشكال المقاومة.

الخطر الأكبر لا يكمن في نجاح العدو في خداعنا مرة أو مرات، بل في نجاحه في جعلنا نشك في إمكانية الوصول إلى الحقيقة أصلاً. لذلك، فإن التمسك بالسؤال الجوهري: “لماذا؟” و”لمصلحة مَن؟” و”ما السياق الأوسع؟” يظل السلاح الأهم في معركة استعادة الوعي. ففي النهاية، الحقيقة التي تُختطف وتُشوَّه ليست مجرد معلومات، بل هي أساس الوجود الإنساني الحر والقدرة على الفعل والتغيير. وفي هذا الصراع المصيري، يكون الحفاظ على وضوح الرؤية والتشبث بإمكانية المعرفة هو آخر معاقل الحرية وأول خطوط الدفاع عن الكرامة الإنسانية.

جيفارا الساحل _ الساحل السوري / سورية الكبرى