لم يولد حزب الله وفي يده بطاقة حزبية، بل وُلد وفي يده بندقية. لم يخرج إلى الناس من باب البرلمان، بل من بين الركام، حيث كانت الدولة غائبة، والحدود مستباحة، والجنوب متروكًا لقدر الاحتلال. في تلك المرحلة، لم يكن العمل السياسي خيارًا مؤجّلًا، بل كان فعلًا مرفوضًا، لأن السياسة كما كانت قائمة آنذاك لم تكن سوى واجهة لنظام عاجز عن حماية أرضه، فكيف يُطلب من مقاومة أن تمنحه شرعية لم يستحقها؟
لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة التأسيس، والمقاومة التي لا تقرأ تحوّلات الزمن تُحاصر، ولو كانت على حق. مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف، تغيّر المشهد جذريًا. الدولة التي كانت غائبة عادت، لا كدولة قوية بالضرورة، بل كدولة مُعاد تركيبها وفق توازنات داخلية وضغوط خارجية، عنوانها الأبرز: احتكار السلاح وفرض الشرعية الواحدة. في هذا المناخ، لم يعد الخطر على المقاومة عسكريًا فقط، بل أصبح سياسيًا وقانونيًا، وربما وجوديًا.
أن تبقى خارج السياسة بعد الطائف لم يكن موقفًا أخلاقيًا نقيًا، بل كان سيصبح خطأً قاتلًا. لأن الدولة التي تُعاد صياغتها من دونك، ستُعاد صياغتها ضدك. ولأن البرلمان الذي لا تجلس فيه، قد يُشرّع يومًا لنزع سلاحك. ولأن الحكومة التي لا تكون حاضرًا فيها، قد تعتبرك فائض قوة يجب احتواؤه أو كسره. هنا، انتقل الخطر من حدود الجنوب إلى نصوص القوانين، ومن الدبابات إلى القرارات.
الأكثر خطورة أن المقاومة ليست فكرة معلّقة في الهواء، بل هي مجتمع وناس وبيئة. الطائفة الشيعية، التي حملت العبء الأكبر من الاحتلال والحرمان، كانت أمام مفترق طرق: إما أن تُترك بلا تمثيل حقيقي في الدولة الجديدة، أو أن يدخل من يمثلها ويحمي خيارها. كان الفصل بين المقاومة وناسها أخطر من أي هجوم عسكري، لأن المقاومة التي تُعزل اجتماعيًا تُهزم ولو انتصرت ميدانيًا.
ثم كان العامل الخارجي حاضرًا بثقله. العالم بعد الحرب الباردة لم يعد يتسامح مع قوى مسلّحة خارج الدولة، إلا إذا امتلكت شرعية داخلية واضحة. الضغط الأميركي والإسرائيلي لم يكن يستهدف السلاح فقط، بل كان يستهدف عزله وتجفيف غطائه الشعبي والسياسي. في هذا السياق، لم تعد السياسة ترفًا أو تنازلًا، بل تحوّلت إلى خط دفاع متقدّم.
من هنا، دخل حزب الله المعترك السياسي لا ليصبح حزب سلطة، بل ليمنع السلطة من التحوّل إلى أداة ضده. دخل البرلمان ليحرس المقاومة من القوانين، ودخل الحكومة ليمنع قرارات تُصاغ في غيابه، وبنى تحالفات لا لأنها تشبهه، بل لأنها تحمي الحد الأدنى من التوازن. لم يكن ذلك انتقالًا من المقاومة إلى السياسة، بل توسيعًا لساحات المقاومة نفسها.
الذين قالوا إن الحزب “غيّر طبيعته” خلطوا بين تغيّر الأدوات وتبدّل الجوهر. اللغة تغيّرت، نعم. الأسلوب تغيّر، نعم. لكن الهدف لم يتغيّر: حماية خيار المقاومة ومنع تصفيته. الفرق أن المقاومة التي كانت تدافع عن نفسها بالسلاح فقط، أصبحت تدافع عن نفسها أيضًا بالقانون والتمثيل والتحالفات. وهذا ليس سقوطًا في الواقعية، بل وعيٌ قاسٍ بأن النقاء الذي لا يحمي نفسه يتحوّل إلى ذكرى.
المفارقة التي يعيشها حزب الله اليوم ليست تناقضًا عبثيًا، بل نتيجة خيار محسوب: أن يكون داخل الدولة بما يكفي ليمنع استخدامها ضده، وخارجها بما يكفي ليبقى مقاومة. هذه الحالة الهجينة ليست مثالية، لكنها كانت أقل الخيارات كلفة في لحظة كان فيها البديل واضحًا: العزل، ثم الاستهداف، ثم الكسر.
في المحصّلة، لم يدخل حزب الله السياسة لأنه تعب من القتال، بل لأنه أدرك أن القتال تغيّر شكله. وأن البندقية التي لا يحميها موقف سياسي، قد تُنتزع باسم الشرعية. وأن المقاومة التي ترفض التكيّف مع الواقع، قد تُجبر يومًا على الاستسلام له.
“المقاومة التي لا تفهم زمنها، لا يُهزمها العدو فقط، بل يتجاوزها التاريخ.”
هذا هو جوهر الحكاية: تكيّف اضطراري لا تحوّل طوعي، وخيار دفاعي لا طموح سلطوي، ومسار شائك اختارته المقاومة كي تبقى، لا كي تتجمّل.

فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى