أثارت شهادات نقلتها صحيفة فايننشال تايمز البريطانية حول أحداث الشغب الأخيرة في إيران تساؤلات واسعة بشأن طبيعة المجموعات التي قادت أعمال العنف، وحدود الفصل بين الاحتجاجات المطلبية المشروعة والتحركات المنظمة ذات الأهداف السياسية والأمنية.
ونقلت الصحيفة عن شهود عيان قولهم إن «مجموعات من الرجال بملابس سوداء، سريعين وخفيفي الحركة، كانت تشعل النار في حاوية نفايات ثم تنتقل فوراً إلى هدف آخر». وأضاف أحد الشهود: «بعضهم بدا وكأنه قوات كوماندوس. كانوا منظمين بشكل واضح، لكنني لا أعرف من يقف خلفهم».
وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لكونها صادرة عن وسيلة إعلام غربية معروفة، ما يسلّط الضوء على بعدٍ مختلف للأحداث، بعيداً عن الصورة التي تختزل ما جرى في احتجاجات عفوية فقط. فالتنظيم، وسرعة التحرك، واختيار الأهداف، كلها عناصر تشير، وفق مراقبين، إلى وجود مجموعات مدرَّبة تعمل وفق نمط شبه عسكري.
وتتلاقى هذه المعطيات مع اتهامات إيرانية متكررة بوجود تدخلات خارجية تسعى إلى استغلال الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لتحويل الشارع إلى ساحة فوضى وصدام، ضمن سياق ممتد من الضغوط التي تتعرض لها إيران منذ أكثر من أربعة عقود، شملت العقوبات والحصار والعمليات الاستخبارية ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي.
ويرى محللون أن تحويل الاحتجاجات الاجتماعية إلى أعمال تخريب منظم يخدم أهدافاً تتجاوز المطالب الشعبية، ويصب في مصلحة أطراف تسعى إلى إنهاك الدولة من الداخل، بعدما فشلت محاولات إسقاطها عبر الضغوط الخارجية المباشرة.
في هذا الإطار، يلفت مراقبون إلى أن الصراع القائم مع إيران لا يقتصر على المواجهة السياسية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى ساحات أمنية واستخبارية مفتوحة، ما يجعل من الداخل الإيراني هدفاً دائماً لمحاولات الاختراق والتوظيف السياسي.
وتخلص قراءات عدة إلى أن ما كشفته فايننشال تايمز يفرض مقاربة أكثر تعقيداً لما يجري في إيران، مقاربة تميّز بين الاحتجاج كحق اجتماعي، وبين أعمال عنف منظمة تحمل بصمات تخطيط مسبق، في مشهد يعكس اشتباكاً إقليمياً ودولياً يتجاوز حدود الشارع الإيراني.
