الهيمنة حين تتخفّى: كيف يُعاد تعريف “الخطر” وفق منطق القوة لا وفق المبادئ …

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى

ليست المشكلة في عالمنا المعاصر ندرة المبادئ، بل سهولة التخلي عنها حين تتعارض مع مصالح القوة. فخطاب “الأمن”، و“الاستقرار”، و“مكافحة التطرف” لم يعد توصيفاً موضوعياً للواقع، بل أداة سياسية مرنة يُعاد تشكيلها بحسب الجهة المستهدفة وموقعها من منظومة الهيمنة العالمية.
في هذا السياق، لا يُسأل الفاعل السياسي عمّا يؤمن به بقدر ما يُسأل عمّا إذا كان يخضع أو يقاوم.

معيار واحد متكرر: الطاعة مقابل الشرعية
عند مراجعة التاريخ الحديث، يتبيّن نمط ثابت:
القوى أو الحركات التي تقبل الاندماج في النظام القائم—حتى لو حملت أيديولوجيات حادة أو سجلاً قمعياً—يُعاد تأهيلها، بينما تُصنَّف الجهات التي ترفض الدور الوظيفي المفروض عليها بوصفها “خطراً”.
جنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري لم تُعاقَب لأنها عنصرية، بل استُهدف النظام فقط عندما أصبح عبئاً سياسياً واقتصادياً. وفي المقابل، دعمت قوى كبرى انقلابات عسكرية في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، ليس لأنها ديمقراطية، بل لأنها مطيعة وتضمن المصالح.
الأمر ذاته تكرر في الشرق الأوسط:
أنظمة سلطوية وُصفت بـ”الاعتدال” لأنها حافظت على الاستقرار كما تريده القوى الكبرى.
وحركات مقاومة جرى تجريدها من أي بعد سياسي أو اجتماعي، واختُزلت في توصيف أمني صرف.

المقاومة: الفعل الذي لا يُغتفر

المقاومة، بوصفها فعلاً سيادياً، هي الخط الأحمر الحقيقي.
ليس لأنها عنيفة بالضرورة، بل لأنها تكسر معادلة التحكم.
في فلسطين، ولبنان ، لم يكن جوهر الإشكال هو الهوية الدينية أو السياسية بحد ذاتها، بل الإصرار على الفعل خارج الإملاءات، يُحتفى بشخصيات سياسية لأنها اصطفت مع ميزان القوة السائد، بينما تُشيطَن مشاريع فكرية تحررية لأنها سعت إلى إعادة تعريف الاستقلال والسيادة.
حتى الدول لا تُستثنى من هذا المنطق:
إيران قبل الثورة كانت “حليفاً طبيعياً” رغم استبداد الشاه.
وبعد الثورة، تحولت إلى “خطر عالمي” لأنها خرجت من بيت الطاعة الاستراتيجي.
الرسالة واضحة: الشرعية لا تُمنح لمن يملك الحق، بل لمن يقبل الشروط.

المبادئ غير القابلة للتجزئة: المشكلة الحقيقية
الخطر الأكبر في مشروع الهيمنة لا يكمن فقط في القمع أو التدخل، بل في تفكيك المبادئ:
حقوق الإنسان تُطبَّق انتقائياً.
حق تقرير المصير يُعترف به هنا ويُجرَّم هناك.
العنف يُدان عندما يصدر عن الضعيف، ويُبرَّر عندما تمارسه القوة.
وهنا يبرز التناقض الجوهري:
إما أن تكون المبادئ عامة وغير قابلة للتجزئة، أو تتحول إلى أدوات خطابية بلا قيمة أخلاقية.
كما قال الفيلسوف جان بول سارتر:
“حين يصبح الظلم قانوناً، تصبح المقاومة واجباً.”
وقال جورج أورويل، في توصيف دقيق لمنطق القوة:
“بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها.”
هذان الاقتباسان لا يبرّران العنف، لكنهما يعرّيان النفاق:
نفاق نظام يدّعي الدفاع عن القيم، بينما يعاقب من يتمسك بها حين تهدد مصالحه.

ما نشهده اليوم ليس صراع أديان ولا صدام حضارات، بل صراع على تعريف الشرعية:
من يملك حق الفعل؟
من يُسمح له بالكلام؟
ومن يُختزل في توصيف “الخطر” لمجرد أنه رفض الخضوع؟
مشروع الهيمنة لا يخشى الاختلاف، بل يخشى الاستقلال.
ولا يعادي الأفكار، بل يعادي القدرة على تحويلها إلى فعل.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه هذا المشروع ليس السلاح وحده، بل الوعي:
وعي يدرك أن المعايير التي تُجزّأ اليوم ضد الآخر، ستُجزّأ غداً ضد الجميع.