معركة السرد قبل معركة السلاح

فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى

لم تلجأ إيران إلى الأساليب التقليدية التي اعتادت عليها الدول في لحظات التوتر القصوى. لم تستدعِ سفيرًا لتطرده، ولم تُطلق خطابًا انفعاليًا يصف أعداءها بغبائهم ، بل سلكت مسارًا مغايرًا تمامًا: مسار إدارة الصورة والرواية. وجهت الدعوة إلى جميع السفراء المعتمدين لديها، وجمعتهم في قاعة واحدة، لا لتوبيخ أو تهديد، بل لعرضٍ بصري مباشر كشف كل ما نشر كذبًا وافتراءات وتضليلًا إعلاميًا.

عبر شاشة واحدة وعرض مُكثّف، قُدّمت الوقائع كما تراها طهران، في رسالة محسوبة خالية من الاستفزاز. لم يكن الهدف إحداث صدمة دبلوماسية، بل إرباك السرد المقابل. بهذا الأسلوب، نقلت إيران المواجهة من ساحة الانفعال إلى ساحة التبيين، ومن ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي. وكما قيل في أحد التعليقات المتداولة: «هكذا تُدار لعبة الإعلام، حين يُترك للوقائع أن تتكلم بدل الضجيج».

هذا التحرك لم يمرّ بمعزل عن المشهد الداخلي. فقد رافقته صور حشود خرجت إلى الشوارع مؤيدة للقيادة والدولة، مشهد التقطته وكالات دولية مثل رويترز وأسوشيتد برس، ووجد صداه حتى في بعض وسائل الإعلام الغربية التي تحدثت عن “تماسك الجبهة الداخلية” رغم الضغوط. هنا، تحقّق ما يمكن تسميته تفوقًا إعلاميًا مرحليًا: كسبُ مساحة سردية، وإعادة ترتيب أولويات النقاش، وإجبار الخصوم على التعليق بدل المبادرة.

غير أن المفاجأة الأكبر، وفق ما تداولته تقارير وتحليلات متقاطعة، تمثلت في البعد التكنولوجي. ففي زمن يُنظر فيه إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي باعتبارهما أدوات حسم، أعلن إيلون ماسك—عبر منصة “إكس”—استعداده لإتاحة خدمة Starlink لدعم الاتصالات المفتوحة. إلا أن الساعات التالية حملت حديثًا واسعًا عن تعطل الخدمة داخل الأراضي الإيرانية، وسط اتهامات بوجود أنظمة تشويش محلية نجحت في تعطيل الاتصال.

سواء اتُّفق أو اختُلف مع الروايات التقنية، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: الهيمنة الرقمية ليست مطلقة. سبق أن طُرحت تساؤلات مشابهة حول فاعلية هذه التقنيات في ساحات أخرى مثل غزة واليمن، وكذلك في بعض مناطق جنوب لبنان، حيث لم تؤدِّ الأدوات التكنولوجية المتقدمة بالضرورة إلى حسم المشهد. أحد المعلقين في صحيفة غربية لخص الأمر بالقول: «التكنولوجيا تمنح الأفضلية، لكنها لا تلغي حدود الجغرافيا والسيادة».

في المحصلة، وجدت دول تصف نفسها بالقوى العظمى أمام حالة ارتباك مزدوجة: إعلاميًا، بعد خسارة زمام السرد، وتكنولوجيًا، بعد اهتزاز صورة التفوق المطلق. هكذا، وبحركات محدودة محسوبة، قلبت إيران الطاولة على خصومها، لا عبر ضربة صاخبة، بل عبر إدارة هادئة للصورة والرسالة. في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام والتقنية، قد يكون الانتصار الحقيقي هو من يفرض عليك أن تعيد التفكير، لا أن تردّ فقط.
باختصار شديد، ما فعلته إيران يثير الإعجاب لأنه خرج عن المألوف ونجح في قلب المعادلة بهدوء وعقلانية. لقد صنعت حالة مختلفة، أربكت خصومها، وأثبتت أن إدارة الوعي والسرد قد تكون أبلغ أثرًا من أي تصعيد تقليدي.