في تطور سياسي بالغ الدلالة، أعلنت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) يوم 21 أكتوبر 2026 وقف التأييد الرسمي للمرشحين للانتخابات الفيدرالية والمساهمات المالية المباشرة عبر لجنتها السياسية، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها انتكاسة تاريخية لنفوذ اللوبي الصهيوني العلني في الولايات المتحدة، واعترافاً ضمنياً بأن الارتباط العلني بأجندة المنظمة بات عبئاً سياسياً يصعب تحمله في البيئة الانتخابية الراهنة.

قرار في سياق تصاعدي

جاء القرار في ظل تصاعد الانتقادات لدور المنظمة، وتراجع التأييد للكيان الصهيوني لدى قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين، على خلفية حرب الإبادة الجماعية في غزة وتداعياتها الممتدة. ولم يكن القرار مفاجئاً لمن تابع مسلسل إخفاق المرشحين الذين حظوا بدعم مالي ضخم من شبكة أيباك في بعض الانتخابات التمهيدية، وأبرزها خسارة هايلي ستيفنز أمام عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، رغم إنفاق عشرات الملايين من الدولارات في المعركة الانتخابية.

فقد خسرت ستيفنز، النائبة المعتدلة المدعومة من أيباك، بفارق ضئيل لم يتجاوز نقطة مئوية واحدة (نحو 14 ألف صوت) أمام السيد، المرشح التقدمي الداعي إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية للكيان الصهيوني ووصف حرب غزة بالإبادة الجماعية. وكانت أيباك واللجان المرتبطة بها قد ضخت أموالاً طائلة لدعم ستيفنز، غير أن النتيجة كشفت عن حدود قدرة المال على تغيير اتجاهات الناخبين في ظل تحولات عميقة في الرأي العام.

“مادة مشعة”: قراءة الاستراتيجيين الديمقراطيين

يعكس قرار أيباك، بحسب استراتيجيي الحزب الديمقراطي، حقيقة أصبحت أيباك فيها “مادة مشعة” للعديد من المرشحين. ويصف جيم مانلي، الاستراتيجي الديمقراطي، قرار المنظمة بأنه مفاجئ، معتبراً أن أيباك معتادة على الموقف الهجومي و”ليست معتادة على التراجع عن المعارك”. ويشير إلى أن هذه الخطوة قد تشكل “صداعاً كبيراً” للقيادات الديمقراطية مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر الذين تلقوا تبرعات من شبكة أيباك، إذ يجد هؤلاء أنفسهم الآن أمام مشهد سياسي متغير يفرض إعادة حساب العلاقة مع منظمة أصبح التأييد العلني لها عبئاً انتخابياً.

تحطم “الأسطورة”: تحليل المحللين السياسيين

أما المحللون السياسيون، فيذهبون إلى أبعد من ذلك في قراءة دلالات القرار. يقول تريتا بارسي إن أهمية هذا التطور “يصعب المبالغة فيها”، مشيراً إلى أن أيباك حافظت تاريخياً على “هالة لا تقهر” جعلت المعارضين لا يجرؤون حتى على التحدي. لكن المشهد انقلب الآن: “لم تعد أيباك تحمل سمة ‘اللا تقهر’، بل أصبحت سمعتها سامة لدرجة أن المنظمة لا تريد وضع أسمائها على تبرعاتها السياسية”.

ويؤكد حميد بنضاس، من مشروع سياسات IMEU، أن الخطوة تمثل “اعترافاً منهم (أيباك) بأن تأييدهم يمثل عبئاً صافياً على أي شخص يحصل عليه”. ويقرأ بنضاس القرار باعتباره في جوهره استراتيجية بقاء: التخلي عن العلامة التجارية العامة “أيباك” المثيرة للجدل، والاستمرار في التأثير على الانتخابات عبر قنوات أقل شفافية مثل لجان العمل السياسي الفائق (Super PAC).

التبرير الرسمي: “المهمة لم تتغير”

من جانبها، تحاول أيباك تقديم القرار في إطار إعادة التموضع لا الانسحاب. تؤكد المتحدثة باسم المنظمة ديرين سوزا أن “مهمتنا واستراتيجيتنا لم تتغير”، وأن الهدف لا يزال بناء الدعم للعلاقة الأمريكية مع الكيان الصهيوني. وتشدد على أن أعضاء أيباك تبرعوا مباشرة بأكثر من 90 مليون دولار للمرشحين في هذه الدورة، وأن هذا النوع من “التبرع المباشر المنظم سيستمر ويزداد”.

وتوضح الرسالة الداخلية لأيباك أن إلغاء التأييدات والتبرعات المباشرة سيتيح للمنظمة “توسيع التبرعات الفردية واستخدام الأدوات الجديدة” لمساعدة الأصدقاء على الفوز، والاستعداد لدورة 2028 التي تتطلب “التزاماً أقوى”. غير أن هذا التبرير لا يخفي حقيقة أن القرار يأتي في أعقاب سلسلة هزائم انتخابية وتراجع في السمعة، ما يجعل منه إجراءً دفاعياً أكثر منه مبادرة استراتيجية.

الأرقام تكشف حجم الاستثمار والانكشاف

تكشف بيانات تمويل الحملات عن حجم الاستثمار الذي وظفته أيباك في هذه الدورة. فحتى 30 سبتمبر 2026، قدمت أيباك نفسها حوالي 25 مليون دولار للمرشحين واللجان، بينما أنفقت لجنة العمل السياسي الفائق التابعة لها، United Democracy Project (UDP)، 13 مليون دولار كتبرعات، بالإضافة إلى 53.5 مليون دولار كنفقات مستقلة. ويشير مراقب تمويل الحملات OpenSecrets إلى أن UDP كان أكبر منفق خارجي في هذه الدورة.

لكن هذه الأرقام الضخمة لم تترجم إلى نتائج انتخابية حاسمة، بل تحولت في بعض الحالات إلى سلاح ضد المرشحين المدعومين. ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، أصبحت العلاقة بأيباك هدفاً للهجوم، حيث يهاجم بعض المرشحين خصومهم بسبب قبولهم أموال أيباك، كما أعلن بعض المشرعين صراحةً رفضهم تلقي تبرعات من أيباك. وهكذا تحول المال، الذي كان يُفترض أن يكون أداة نفوذ، إلى عبء يثقل كاهل من يستفيد منه.

الخلفية العميقة: تحول الرأي العام

تكمن الجذور العميقة لهذا التحول في تغير الرأي العام الأمريكي. فوفقاً لاستطلاع مركز بيو للأبحاث في أبريل 2026، فإن 60% من الأمريكيين لديهم انطباع غير إيجابي عن الكيان الصهيوني، بينهم 80% من الديمقراطيين والمستقلين الميولين للحزب الديمقراطي. هذا التحول في الرأي العام، الناجم أساساً عن حرب الإبادة الجماعية في غزة وتداعياتها، هو السبب الجذري وراء سعي أيباك لإخفاء هويتها وتخفيف الارتباط العلني بها.

الموقف من الجانب التقدمي: “يجب أن نقول لا لأيباك”

على الجانب الآخر، لم يفت التقدميون اللحظة لتعزيز موقعهم. هاجم بيرني ساندرز أيباك على منصة X قائلاً: “أيباك تنفق الآن ما يصل إلى 9 ملايين دولار ضد عبد الرحمن السيد. أيباك هي سبب الحرب مع إيران. أيباك هي سبب دعم الولايات المتحدة للإبادة الجماعية في غزة. يجب أن نقول لا لأيباك”. ويعكس هذا التصريح كيف تحولت أيباك من قوة ضغط تحظى بقبول واسع إلى هدف سياسي في حد ذاتها.

أما السيد، فبعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، أشار إلى أن “ما يوحد الديمقراطيين أكبر مما يفرقهم”، مؤكداً على ضرورة توحيد الحزب لهزيمة المرشح الجمهوري مايك روجرز. وقد هنأته ستيفنز، مؤكدة على أهمية الوحدة الحزبية، قائلة “هذا هو سبب وجود الانتخابات التمهيدية”، ومتمنية أن يبقى مقعد مجلس الشيوخ هذا بيد الديمقراطيين. لكن هذه الوحدة لا تنفي حقيقة أن الصراع داخل الحزب حول العلاقة بأيباك والكيان الصهيوني أصبح أكثر حدة من أي وقت مضى.

تدخلات خارجية: ترامب يهاجم السيد

لم يقتصر المشهد على الداخل الديمقراطي، إذ تدخل دونالد ترامب في تجمع انتخابي مهاجماً السيد شخصياً، قائلاً “إنه لا يحب الكيان الصهيوني. لا يحب الشعب اليهودي. يكرههم”. ويعكس هذا التدخل محاولة لتحويل الانتخابات إلى استفتاء على الولاء للكيان الصهيوني، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي في ميشيغان وغيرها من الولايات المتأرجحة.

خلاصة: تكتيك بقاء لا انسحاب استراتيجي

في المحصلة، تتفق تصريحات السياسيين والمحللين على أن إلغاء أيباك للتأييدات والتبرعات المباشرة هو إجراء تكتيكي للبقاء، وليس انسحاباً استراتيجياً. فالمنظمة تحاول الحفاظ على تأثيرها عبر لجنة العمل السياسي الفائق (Super PAC) وقنوات التبرع الفردي، مع تجنب الأضرار السياسية التي يسببها الارتباط العلني. لكن هذه الخطوة نفسها تعكس بوضوح حقيقة أن قوة ردع أيباك قد تضررت بشدة، خاصة بعد فشل استثماراتها الضخمة في انتخابات ميشيغان التمهيدية.

وبينما تحاول أيباك إعادة تموضعها تحت شعار “المهمة لم تتغير”، يبدو المشهد السياسي الأمريكي وقد دخل مرحلة جديدة، بات فيها الارتباط العلني باللوبي الصهيوني عبئاً انتخابياً، وبات فيها المال، رغم ضخامته، عاجزاً عن شراء الشرعية في نظر قطاعات متزايدة من الناخبين.

وهكذا، فإن ما وصفته التقارير بـ”أكبر هزيمة تاريخية” قد يكون في جوهره بداية تحول أعمق في موازين القوى السياسية داخل الولايات المتحدة، تحول لا تقرره صكوك التمويل وحدها، بل تصنعه تحولات الرأي العام والوعي الجماعي.