في دلالات الرمز الثقافي وتغريب الهوية
​يمثل التراث الشعبي والطقوسي للأمم مخزوناً حياً للذاكرة الجمعية، وجسراً تتقاطع عبره الأبعاد الأنثروبولوجية، والدينية، والتاريخية. وحين تتأمل الشعوب تقاليدها المتوارثة، فإنها لا تقف أمام مجرد ممارسات فولكلورية عابرة، بل تواجه منظومة متكاملة من القيم والرموز التي تحمل في طياتها فلسفة الوجود، والانتصار على الموت، وتخليد الذاكرة.
​غير أن العصر الحديث، بما حمله من عولمة متسارعة واكتساح ثقافي أحادي القطب، فرض تجريفاً ممنهجاً للخصوصيات الثقافية المحلية لصالح قوالب استهلاكية جاهزة. وفي هذا السياق، يبرز التقاطع الظاهري –الشكلي والزمني– بين طقوس “عيد البربارة” المشرقي الأصيل، و”عيد الهالوين” (Halloween) الوافد، ليقدم نموذجاً صارخاً للفرق الشاسع بين احتفال ترابه التاريخي والروحي هوية الأرض والإنسان، وبين استهلاك ثقافي ومسخ تجاري يحول الموت والماورائيات إلى فرجة استعراضية فارغة من أي مضمون قيمي أو وجودي.
​ عيد البربارة – جذور التاريخ، أسطورة الصمود، ورمزية القمح
​1. البُعد التاريخي والأسطوري
​ترتبط “البربارة” في المخيال الشعبي المشرقي بشهيدة المسيحية المبكرة القديسة بربارة (حوالي القرن الثالث الميلادي)، التي فرت من بطش أبيها الوثني، فلجأت إلى المغاور والكهوف واختبأت فيها. وتشير الروايات التراثية إلى أن حقول القمح تكاتفت لحمايتها، حيث نمت السنابل بسرعة فائقة لتغطي مدخل المخبأ وتخفي آثار خطواتها عن عيون مطارديها. من هنا تحولت القصة من حدث تاريخي محلي إلى ملحمة رمزية في الانتصار على القهر، وتحدي الظلم، والالتصاق بالأرض.
​2. الفلسفة الوجودية لقمح البربارة
​إن أكل “القمح المسلوق” المزين بالسكر، والرمان، والمكسرات، ليس مجرد عادة غذائية احتفالية، بل هو تجسيد مادي لآية “حبة الحنطة التي تقع في الأرض وتنمو”. إنه احتفاء بالطبيعة، ودورة الحياة، وانبعاث الأرض بعد خمول الشتاء. القمح هنا هو رمز البقاء، والعطاء، والارتباط العضوي بالتراب الفلاحي المشرقي الذي يعيد إنتاج الحياة من رحم الموت والفناء.
​3. التنكر والفرح الشعبي (المسرحة العفوية)
​اعتاد أبناء القرى والبلدات في المشرق ارتداء الأقنعة والتنكر في ليلة البربارة، والدخول إلى البيوت لإدخال البهجة، وسط غناء الأهازيج التقليدية الخاصة بالمناسبة (مثل “هاتِ البربارة.. قمح وزعتر وجارة”). غير أن هذا التنكر لم يكن أبداً استحضاراً للرعب أو قوى الظلام، بل كان طقساً احتفالياً بريئاً، يعتمد على الضحك، والمشاركة الاجتماعية، وتخوم الكوميديا الشعبية، وكسر رتابة الحياة اليومية.
​ الهالوين (Halloween) – من الجذور السلتية إلى السلعة الاستهلاكية العابرة للقارات
​1. الجذور الوثنية والميثولوجيا السلتية
​يعود أصل “الهالوين” إلى مهرجان “سامهاين” (Samhain) عند القبائل السلتية القديمة في الجزر البريطانية. كان هذا المهرجان يمثل رأس السنة السلتية ونهاية موسم الحصاد، حيث يعتقدون أن الحدود بين عالم الأحياء وعالم الأموات تتلاشى في ليلة الحادي والثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر)، فتخرج الأرواح الهائمة، والأشباح، والكيانات الشريرة لتجوب الأرض.
​2. التطور التاريخي والتشوه التجاري
​مع تغلغل المسيحية الغربية، تحولت المناسبة إلى عشية عيد جميع القديسين (All Hallows’ Eve)، لكنها احتفظت بطابعها المظلم المرتبط بالخوف من الموت والأرواح الشريرة. وفي العصر الحديث، تعرض الهالوين لعملية “أمريكية” وعولمة تجارية كبرى، حيث تحول من طقس فولكلوري محلي إلى صناعة استهلاكية ضخمة تدر مليارات الدولارات، قائمة على الأزياء المرعبة، وتسليع الجماجم، وترويج ثقافة الرعب والدمار.
​3. البعد الشيطاني والعبثية العباسية
​على عكس البربارة التي تحتفي بالحياة والإنبات، يحتفي الهالوين –في طابعه المعاصر– بالموت، والشر، والشعوذة، وقوى الظلام. تكتسح الشوارع رموز الشياطين، ومصاصي الدماء، والساحرات، والأرواح المعذبة. إنه احتفال بالعبثية الوجودية وتفريغ الموت من معناه الروحي وتحويله إلى فرجة استعراضية مبتذلة تكرس ثقافة الخوف والقطيعة مع الجوهر الإنساني الخلاق.
​ مقارنة بنيوية بين المضمونين
​لكي يتضح الهوة السحيقة بين العيدين، يمكن إبراز المفارقات الجوهرية عبر النقاط التالية:
​منظومة القيم: البربارة تحتفي بالأرض، بالقمح، بالحياة، وبالتضامن الإنساني في وجه الطغيان. بينما الهالوين يحتفي بالظلام، بالخوف، بالموت، والنزعات العدوانية المدمرة.
​الرمز والمجاز: في البربارة، الرمز هو السنبلة التي تغطي وتحمي وتحيي. وفي الهالوين، الرمز هو اليقطينة المنحوتة بشرّ (Jack-o’-lantern) والجماجم المستوحاة من طقوس استحضار الأرواح الشرير.
​البعد الاجتماعي: طقوس البربارة تعزز روابط الجيرة والعائلة عبر تبادل الأطباق المصنوعة من القمح. في المقابل، يكرس الهالوين النزعة الاستهلاكية الفردية والتبعية لثقافة البوب الأمريكية (Pop Culture).
​ البعد الجيوسياسي والثقافي – غزو الوعي وتسطيح الهوية
​إن الترويج المحموم لعيد الهالوين في المجتمعات العربية والمشرقية عبر وسائل الإعلام، والمدارس الخاصة، والمراكز التجاريّة الكبرى، ليس بريئاً البتة. إنه جزء من استراتيجية أوسع لهندسة الوعي وتسطيح الهوية الثقافية.
​حين يُدفع الناشئة والشباب إلى تبني طقوس مستوردة لا تنتمي لتاريخهم ولا لبيئتهم، والاحتفاء بالرعب والشعوذة الغربية متجاهلين تراثهم الغني المفعم بالرمزية الزراعية والإنسانية، فإننا نكون أمام عملية “اقتلاع” ثقافي ناعم. إنها محاولة لفرض نموذج استهلاكي نمطي موحد، يلغي الذاكرة التاريخية ويستبدل بها ثقافة استهلاكية فارغة، مما يسهل السيطرة على العقول وتوجيهها نحو التبعية المطلقة لمركز القرار الثقافي الغربي.
​ حراسة الذاكرة في مواجهة التصحر الثقافي
​إن الدفاع عن “عيد البربارة” ليس مجرد دفاع عن عادة قديمة أو طقس شعبي فلكلوري، بل هو فعل مقاومة ثقافية واعية ضد التصحر القيمي والتبعية الاستهلاكية التي يمثل “الهالوين” أحد أبرز تجلياتها المعاصرة.
​الأمم العريقة هي التي تدرك كيف تستنطق تراثها، وتعيد قراءة رموزها بما يخدم كرامتها الإنسانية وحرية وعيها. بينما الأمم التي تفرط في جذورها، وتستبدل بسنابل القمح الحية جماجم البلاستيك المستوردة، إنما تتخلى عن روحها وتغرق بإرادتها في رمال الاستهلاك المتحركة. الحفاظ على هوية المشرق وثقافته وحكاياته هو الحصن الأول بوجه موجات التغريب الشيطاني التي لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف عقل الإنسان وروحه ومستقبله.
د. نبيلة عفيف غصن