الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي يهبط إلى أدنى مستوى منذ 1982: هرمز وباب المندب يضغطان على الأمن الطاقوي
وصل الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود. فوفقًا لأحدث بيانات وزارة الطاقة الأمريكية، تراجعت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي إلى 283.8 مليون برميل فقط بحلول أواخر سبتمبر 2026، بانخفاض يقارب 32% منذ مطلع العام، وبتراجع يزيد على 60% عن ذروته المسجلة عام 2009 حين تجاوز 700 مليون برميل. وهذا الرقم هو الأدنى منذ أكتوبر 1982، ما يعني أن آلية الطوارئ الطاقوية الأمريكية تواجه ضغطًا غير مسبوق.
قرار مارس 2026: تفريغ الاحتياطي لمواجهة الصدمة
يعود السبب المباشر لهذا الهبوط إلى القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترامب في مارس 2026، حين أقرت سحب ما يصل إلى 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، وذلك في إطار عملية تنسيقية مع وكالة الطاقة الدولية التي أطلقت 32 دولة عضو فيها 400 مليون برميل من مخزوناتها الطارئة. جاء ذلك القرار في ذروة التصعيد العسكري بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، حين تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لاضطراب حاد وارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل متسارع.
كان المنطق المعلن إذن هو ضخ كميات ضخمة من الاحتياطي لتهدئة الأسواق وتعويض انقطاع الإمدادات.غير أن تكلفة هذا “الفتح الكبير” باتت واضحة اليوم. فآلية السحب التي اعتمدتها واشنطن تقوم على نموذج “المقايضة”: تستلم الشركات النفط مقابل التزام بإعادته لاحقًا مع علاوة سعرية على شكل كميات إضافية. وهذا يعني نظريًا أن نحو 200 مليون برميل ستُعاد إلى الاحتياطي في نهاية المطاف، لكن الجدول الزمني للإعادة غامض وغير ملزم عمليًا، ما يترك الولايات المتحدة باحتياطي شبه فارغ في مواجهة أي أزمة إمداد جديدة.
قيود مادية تفاقم الهشاشة
يُضاف إلى ذلك قيود مادية كشفت عنها تقارير ديوان المحاسبة الأمريكي في يونيو الماضي، إذ أظهرت أن أكثر من ربع النفط المخزّن في الاحتياطي لا يمكن استخدامه فورًا بسبب أعمال صيانة في المنشآت ومشكلات هندسية في الكهوف الملحية التي تُخزَّن فيها الخامات. وهذا يعني أن الكميات المتاحة فعليًا أقل من الأرقام المعلنة، وأن قدرة الاستجابة السريعة لأي طارئ تراجعت أكثر مما توحي به الأرقام الرسمية.
سياق استراتيجي متناقض
الأخطر من ذلك هو السياق الاستراتيجي الذي يحيط بهذا النضوب. فقد وضعت الوثيقة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة “التنافس مع القوى الكبرى” في صدارة الأولويات، واعتبرت منطقة شرق آسيا “ساحة المعركة الحاسمة”، بينما طُلب من الحلفاء في أوروبا وغرب آسيا تحمّل عبء أكبر في الدفاع التقليدي. لكن هذا المنطق القائم على التقليص والتوزيع يكشف تناقضًا بنيويًا: فبينما تسعى واشنطن إلى تحويل مواردها نحو آسيا، يدفعها انخراطها العسكري في غرب آسيا إلى استنزاف احتياطيها الاستراتيجي بوتيرة غير مسبوقة. فالاحتياطي الذي أُنشئ أصلًا لمواجهة “انقطاع خطير في الإمدادات” يُستخدم اليوم لتمويل حرب اختيارية.
إيران واليمن: مضيقي الاختناق
تشكّل إيران وانصار الله في اليمن الخلفية الجيوسياسية لهذا المأزق الطاقوي. فقيادة حرس الثورة الإيراني أعلنت صراحة أن “مضيق هرمز لن يعود كما كان”، وتدفع باتجاه تشريع يفرض رسومًا على السفن العابرة ويحظر مرور السفن الأمريكية والصهيونية. وفي المقابل، تواصل القوات المسلحة اليمنية في جنوب البحر الأحمر شن هجمات بالصواريخ والمسيّرات على حركة الملاحة التابعة العدو الصهيوني و السعودي في مضيق باب المندب، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة أسبوعيًا من 32 سفينة في مطلع العام إلى 25 سفينة، أي أقل من ثلث المستوى المسجل قبل أكتوبر 2023. ويضع هذا الضغط المزدوج على البوابتين، اللتين تمر عبرهما حوالي ثلث تجارة النفط البحرية العالمية، الأمن الطاقوي الدولي أمام حالة عدم يقين ممتدة، وهو ما يشكل الدافع الخارجي الأساسي وراء تفريغ الاحتياطي الأمريكي بهذه السرعة.
ما تبقى من هامش المناورة
المشكلة لا تقتصر على مستوى الاحتياطي في حد ذاته. فحين يقترب الاحتياطي من “الحد الأدنى الآمن للتشغيل” البالغ 250 مليون برميل — وهو السقف الذي يحول دون إمكانية السحب الروتيني بموجب القانون الأمريكي — ستصبح الذخيرة الأمريكية لمواجهة أي صدمة إمداد تالية شبه معدومة. وفي الوقت نفسه، فإن صادرات النفط من دول الخليج المنتجة، وإن تعافت جزئيًا في الآونة الأخيرة، لا تزال أقل بنحو 30% من مستويات ما قبل الحرب.
خلاصة: تناقض لا يمكن إخفاؤه
يكشف هذا الوضع تناقضًا بنيويًا أعمق. فالولايات المتحدة تسعى في آن واحد إلى تحقيق ثلاثة أهداف: الحفاظ على حضور عسكري في غرب آسيا، وممارسة أقصى ضغط على إيران، والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة محليًا. وقد كان السحب الواسع من الاحتياطي الاستراتيجي هو الأداة قصيرة الأجل التي حافظت على توازن هذه الأهداف الثلاثة. لكن حين تُستخدم هذه الأداة مرارًا حتى تقترب من حدودها القصوى، يصبح التعارض بين الأهداف الثلاثة مستحيل التغطية.
إن نضوب الاحتياطي البترولي الاستراتيجي ليس مجرد تراجع في رقم مخزون، بل هو إشارة إلى أن الانخراط العسكري الأمريكي في غرب آسيا يستهلك مواردها الاستراتيجية بطريقة غير قابلة للاستدامة، في وقت لا يزال فيه مأزق هرمز وباب المندب بعيدًا عن أي أفق للحل.
