في ضواحي موسكو،اجتمع أكثر من مئة وعشرين خبيراً وسياسياً من أربعين دولة، بينهم أربعة وسبعون أجنبياً، ليضعوا أيديهم على نبض عالم يتشكل من جديد.
لم يكن الاجتماع الثالث والعشرون لنادي فالداي الدولي، الذي يمتد من الثامن والعشرين من سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026، مجرد موعد أكاديمي عابر في روزنامة المنتديات، بل كان لحظة فارقة في مسار مؤسسة فكرية اختارت أن تكون جسراً بين روسيا وعالم يتوق إلى التوازن.منذ تأسيسه، حمل النادي في جوهره رسالة واضحة: تعريف العالم بروسيا، بموقعها ودورها، ونسج خيوط التواصل مع نخب الدول المختلفة بعيداً عن ضجيج الدبلوماسية الرسمية.
لكن عام 2014 كان نقطة انعطاف كبرى؛ إذ لم يعد النادي مجرد منصة حوار، بل تحول إلى مختبر استراتيجي يعيد تعريف علاقات موسكو مع العالم. ومع كل نسخة جديدة، تتسع شبكة العلاقات، لا سيما مع دول غرب آسيا وأفريقيا وآسيا الوسطى، حتى غدا فالداي أشبه ببوصلة تشير إلى تحولات النظام الدولي قبل أن تلتقطها العواصم الكبرى.
في نسخته الحالية، اختار النادي عنواناً يحمل في طياته سؤالاً وجودياً: “المسؤولية تجاه المستقبل: حدود الممكن أم إمكانيات لا حدود لها؟” وكأنه يهمس في أذن العالم أن اللحظة الراهنة ليست لحظة انكفاء أو خوف، بل لحظة إعادة تصور. وقد جاء التقرير الرئيسي بعنوان لافت: “لا داعي للذعر: الدولة والمسؤولية تجاه المستقبل”، وكأنه يطمئن القلقين بأن الفوضى ليست نهاية التاريخ، بل ربما بدايته.
حضر في هذا المحفل أصوات من الجزائر والأرجنتين والبرازيل وبريطانيا وألمانيا ومصر والهند وإندونيسيا وإيران وإيطاليا وكندا والصين وماليزيا والإمارات وباكستان والسعودية والولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وسويسرا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا واليابان. تنوع لافت يعكس رغبة دولية في فهم ما يجري، وفي الوقت نفسه، رغبة روسية في أن تُرى وتُسمع خارج الأطر الغربية الضيقة.
على مدى أربعة أيام تدور النقاشات حول قضايا تشغل بال صناع القرار: هل ما زالت المؤسسات المتعددة الأطراف قادرة على إدارة الأزمات؟ ما العواقب المحتملة لتصعيد الصراعات العسكرية؟ كيف يعيد الاقتصاد العالمي ترتيب بيته التجاري؟ وما الدور الذي تلعبه التقنيات الجديدة، من الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة غير المأهولة، في تشكيل موازين القوى؟ ولم تكن هذه الأسئلة تسبح في فراغ، بل تزامنت مع أزمات متلاحقة في أوكرانيا وغزة ومضيق هرمز وفنزويلا، ما منح النقاشات طابعاً ملحاً وكأنها تُكتب على حافة الهاوية.
ومع ذلك، لم يكن فالداي مجرد رد فعل على الأحداث، بل كان مشروعاً استراتيجياً بامتياز. فمن خلال استقطاب نخب من دول تتجنب الاصطفاف الكامل مع الغرب، نجحت موسكو في بناء جسر موازٍ للدبلوماسية التقليدية. لم يعد الأمر مجرد دعوة لحضور مؤتمر، بل شبكة علاقات تمتد عبر القارات، تلتقي فيها مصالح الدول التي تبحث عن شراكات سيادية لا تفرض نماذج سياسية أو اقتصادية جاهزة.في قلب هذه الشبكة، يبرز مفهوم “التعددية القطبية” ليس كشعار خطابي، بل كواقع يفرض نفسه.
الخطاب السائد في القاعات كان واضحاً: زمن الهيمنة الأحادية انتهى، والغرب يحاول عبثاً إبقاء قبضته على مفاصل النظام الدولي. في المقابل، تُطرح التعددية القطبية كإطار يضمن السيادة والاحترام المتبادل، وكبديل عملي للدول التي سئمت التبعية والاصطفافات الجامدة. ولم يعد الحديث عن تحالفات أيديولوجية صلبة، بل عن “اصطفافات مرنة” تقوم على المصالح، حيث تفضل الدول تنويع شراكاتها بدل الارتباط بتحالف واحد.لم تقتصر النقاشات على السياسة والأمن، بل امتدت إلى التكنولوجيا والاقتصاد واللوجستيات.
فمشاريع مثل ممر “الشمال-الجنوب” وممر “أوروبا-غرب الصين” لم تكن مجرد أوراق عمل، بل رؤى عملية لإعادة رسم خرائط التجارة الأوراسية. وفي جلسات خاصة، جرى الحديث عن منطقة الساحل والصحراء كـ “تعددية قطب في طور التنفيذ”، وعن رغبة دول المنطقة في التخلص من إرث استعماري ثقيل والبحث عن شراكات جديدة تعيد إليها قرارها السيادي.
على هامش المنتدى، كان الحضور الروسي الرسمي لافتاً: سيرغي لافروف، وزير الخارجية، ومكسيم أوريشكين، نائب رئيس الإدارة الرئاسية، وأليكسي ليخاتشوف، المدير العام لشركة روساتوم، وألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء. لقاءاتهم مع الخبراء لم تكن بروتوكولية، بل حملت رسائل ضمنية بأن موسكو تريد شريكاً فاعلاً في صياغة قواعد النظام العالمي المقبل، لا مجرد طرف يُدار حوله.
ومع اقتراب الجلسة العامة الختامية في الأول من أكتوبر، تصاعدت التوقعات بشأن خطاب الرئيس الروسي، الذي يُنتظر أن يحمل رسائل حاسمة حول الردع النووي، ومستقبل أوروبا بعد الحرب الأوكرانية، وملامح النظام العالمي الجديد. لكن الأهم من ذلك، أن الرسالة الأكبر كانت قد وصلت قبل الخطاب: روسيا، رغم كل الضغوط، لا تزال قادرة على جمع العالم في غرفة واحدة، وأن تجاهلها في أي ترتيب دولي قادم سيكون خطأً استراتيجياً باهظاً.
وهكذا، بين جلسات النقاش وهمسات الممرات، يظل فالداي مساحة يتقاطع فيها الفكر مع المصالح، والأكاديميا مع الاستراتيجيا، والحوار مع بناء الجسور. إنه ليس مجرد مؤتمر يُعقد ثم يُنسى، بل مختبر دائم لإعادة تشكيل الوعي الدولي، ومحاولة روسية صادقة لأن تُرى لا كتهديد، بل كجزء لا يتجزأ من أي مستقبل ممكن.
