بدأت أمي نعمة تكلم والدي صالح بحذر ، ماذا نأخذ في رحلة نزوحنا للجنوب ، و تتخيل عدة إجابات بينها إجابة مريرة ،كنت قد سمعتها وأنا أكلمهما عبر الهاتف .” لا توخدي غير همك ” ، أمي نعمة تضحك وتبدأ تجهيز ما تستطيع حمله لتبدأ مع أبي رحلة نزوح طويلة ومرة .
هنا وهناك أصوات مرعبة لغارات وحشية ، أعداد كبيرة من الشهداء تحت أطنان من الإسمنت والحديد ، الدرج ظهر طويلا و مثقلا بالطين والتراب وبعض الحنين .
بدات أمي نعمة مناداة متواصلة على أخوتي وأبنائهم ، تأمل ترتيب أفراد العائلة في نزوحهم الأخير …”مايا ، يارا ، ميساء ، رحاب ، تيا ، محمد ، أحمد ، أسماء ، رولا ، صالح ،ماري ،لارا ،تولين ، تالا ، عماد ، ريم “رددت أمي نعمة أسماءهم مرات ومرات ، كانوا يصعدون نحو السماء ،وتاركين خلفهم أجساد تمزقت تحت القصف والانهيارات و الانفجارات .
عبثا حاولت إنقاذ تلك الأجساد الميتة ، و ذكرت في نفسها شهادة أن لا إله إلا الله ،ثم أغمضت عينيها ، وانتظرت أبي صالح ، أمسكت يده بحرص ، و مضيا نحو أفق بعيد دون تردد ، ولم تنظر خلفها ، كان الأمر بسيطا : لمن تنظر ،فقد ذهبوا كلهم معا مسرعين .
نحن لا نعرف نهاية الطريق .
ألف وأربعون يوما من القهر واليتم والانتظار ،
هم بأجسادهم تحت أنقاض برج المهندسين ونحن على حدود دماره نردد الفاتحة ، و نتمسك بالصبر واليقين .
بدأت رنات الهاتف تقلقني ، الصور تصل تباعا ، أغمض عيني ، وأفتحها على عظام وبقايا أثواب ملونة وسوداء .
أقول لنفسي مايا كانت تلبس فستانها الزهري ، أمي نعمة كانت ترتدي عباءتها السوداء ، أما تالا فكانت تلبس سترتها الخفيفة الخضراء ، قالت لأمها. : إذا مت لا أريد أن أرتعش من البرد .
لا أريدكم أرقاما مجهولة. ، بل شواهد نقمتي على هذه الواقع المر وفي عالم ليس لنا ، صدقت يا غسان كنفاني .
منذ تلك اللحظة زاد البكاء والعويل ،وانهارت قلاع الصبر .
كلهم راحوا في غمضة عين ، أما أنا مازلت أضغط ذاكرتي الثكلى وأعيد نداءات أمي نعمة ، وأعاتب أبي …
أين كنت يا أبي عندما نادت أمي عائلتنا كلها دوني ؟
أريد أن أكون معكم ، بلا عودة … حاملة أوزار الغياب والحزن والتعب .
اه يا ديما لا توخدي غير همك
رحم الله الشهداء .
نادية سعادة
