لم تعد الحرب تُخاض في ميادين القتال وحدها. فإلى جانب الصواريخ والطائرات والدبلوماسية والعقوبات والاقتصاد، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الوعي والرواية والصورة. وفي هذه المعركة يصبح للفنان والمثقف والصحافي والشخصية العامة دور يتجاوز حدود المهنة، لأن الكلمة التي يقولها شخص معروف قد تصل إلى ملايين الناس، وقد تفتح أمامهم نافذة على واقع تحاول القوى المتصارعة تقديم روايات متناقضة بشأنه.
من هنا تكتسب مشاركة الممثلة الأميركية سوزان ساراندون في الاحتجاجات المطالبة بوقف الحرب ووقف تزويد الكيان الصهيوني بالأسلحة دلالة تتجاوز شخصها. فساراندون ليست ناشطة ظهرت فجأة على هامش حدث سياسي، بل فنانة ذات تاريخ طويل في التعبير عن مواقف مناهضة للحروب ومدافعة عن قضايا اجتماعية وإنسانية.
وعندما تنزل شخصية بهذا الحجم إلى الشارع، فإنها تفعل أكثر من إضافة اسم مشهور إلى قائمة المشاركين. إنها تنقل القضية من مستوى البيانات السياسية إلى المجال الثقافي والشعبي، حيث يصبح السؤال أكثر مباشرة: هل يمكن للفنان أن يصمت عندما يرى حرباً تخلّف هذا الحجم من المعاناة الإنسانية؟ وهل تتحول الشهرة، في لحظة تاريخية كهذه، من امتياز اجتماعي إلى مسؤولية أخلاقية؟
الفنان عندما يدخل إلى قلب الصراع
لطالما حاولت الصناعات الثقافية تقديم الفن باعتباره مساحة منفصلة عن السياسة. غير أن التاريخ يثبت صعوبة الفصل بين الاثنين.
الفنان يعيش داخل المجتمع، ويتأثر بالحروب والأزمات والانقسامات، والجمهور الذي يشاهد أفلامه ليس منفصلاً عن الواقع السياسي الذي أنتج تلك الأفلام.
وفي الولايات المتحدة خصوصاً، ارتبط عدد كبير من الفنانين عبر العقود بقضايا السلام والحقوق المدنية ومناهضة الحروب. وكان للحرب على فيتنام، ثم الحرب على العراق، أثر كبير في ظهور تقليد فني يحتفظ لنفسه بحق مساءلة السلطة.
وفي هذا السياق يمكن فهم ساراندون.
فموقفها لا يقوم على فكرة أن الفنان أصبح خبيراً عسكرياً أو بديلاً عن الدبلوماسيين. وإنما على مبدأ أبسط: امتلاك الشهرة لا يلغي حق الإنسان في اتخاذ موقف أخلاقي من الحرب.
بل ربما يضاعف المسؤولية، لأن صاحب الشهرة يمتلك منبراً لا يمتلكه ملايين المواطنين.
القضية الفلسطينية واختبار الضمير الغربي
أعادت الحرب على غزة هذا السؤال إلى الواجهة بقوة استثنائية.
فالمشهد الفلسطيني لم يعد يصل إلى الجمهور من خلال التقارير الصحافية وحدها، بل من خلال الصور اليومية التي تنتشر عبر الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي.
وهنا ظهرت فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الرسمي في بعض الدول الغربية، وبين قطاعات واسعة من المجتمعات المدنية التي خرجت إلى الشوارع مطالبة بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
ومشاركة مشاهير في هذه الاحتجاجات أضافت بعداً جديداً.
فحين يشارك مواطن عادي في مظاهرة، قد تبقى مشاركته ضمن حدود الشارع الذي خرج إليه.
أما عندما يظهر اسم سينمائي معروف في المشهد، فإن وسائل الإعلام تنقل الصورة إلى جمهور عالمي.
وبذلك تتحول الشهرة إلى مضاعِف للصوت الشعبي.
السلاح ليس مجرد صفقة تجارية
الاحتجاج على تزويد الكيان الصهيوني بالسلاح يستند إلى سؤال يتجاوز تفاصيل العقود العسكرية.
السلاح الذي يُرسل إلى منطقة حرب ليس مجرد سلعة تنتقل من مصنع إلى جيش؛ إنه جزء من منظومة سياسية وعسكرية تحدد قدرة طرف على مواصلة عملياته.
ولهذا فإن الدعوات إلى وقف تصدير الأسلحة لا تنطلق فقط من موقف سياسي من الحرب، بل من سؤال يتعلق بالمسؤولية عن النتائج الإنسانية لاستخدام تلك الأسلحة.
وقد أصبحت هذه القضية موضوعاً لنقاشات قانونية وسياسية واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا، بالتوازي مع دعاوى وإجراءات أمام محاكم وهيئات دولية بشأن الحرب في غزة.
لكن اللافت أن النقاش لم يعد محصوراً في الجامعات أو المؤسسات القانونية.
لقد انتقل إلى الشوارع والمسارح والمهرجانات والمنصات الرقمية.
وهنا يدخل الفنان إلى قلب المسألة.
لماذا يخيف صوت الفنان؟
لأن الفنان لا يتحدث بلغة البيانات الرسمية.
السياسي يتحدث عن الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية والتحالفات.
أما الفنان فيستطيع أن يسأل سؤالاً أكثر بساطة وأشد وقعاً:
ماذا يحدث للإنسان العادي عندما تتحول الحرب إلى واقع يومي؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى خريطة عسكرية معقدة.
ولا يحتاج إلى معرفة تفاصيل منظومات الصواريخ.
إنه يعيد الحرب إلى معناها الإنساني.
وهذا تحديداً ما يجعل حضور المشاهير مهماً في الاحتجاجات.
فهم يستطيعون نقل القضية من لغة الأرقام إلى لغة الوجدان.
ثمن كسر الصمت
لكن هذا الدور ليس بلا ثمن.
فصناعة السينما ليست فضاءً مثالياً مستقلاً عن الاقتصاد والسياسة. إنها منظومة ضخمة من الشركات والاستوديوهات والمنصات والوكلاء والمعلنين والمهرجانات.
وقد شهدت السنوات الأخيرة حالات لفنانين تعرضوا لعواقب مهنية بعد مواقفهم من الحرب على غزة.
من أبرزها الممثلة ميليسا باريرا، التي أُبعدت عن فيلم Scream VII في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد منشورات عبّرت فيها عن تضامنها مع الفلسطينيين وانتقدت الحرب. وقالت الشركة المنتجة إن القرار مرتبط بما اعتبرته منشورات معادية للسامية، بينما رفضت باريرا هذا التوصيف.
وفي الحالة الخاصة بساراندون، فقدت تمثيلها لدى وكالة المواهب UTA في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد تصريحات أدلت بها في تجمع مؤيد للفلسطينيين.
هذه الوقائع لا تسمح تلقائياً بالقول إن كل إجراء مهني هو «قمع سياسي»، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن المؤسسات الخاصة تملك حق اتخاذ قراراتها المهنية.
لكنها تكشف شيئاً مهماً:
حرية التعبير القانونية لا تعني بالضرورة غياب الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للتعبير.
وهنا يصبح موقف الفنان أكثر تعقيداً.
من إريـك كانتونا إلى روجر ووترز
لم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على ممثلي هوليوود.
فالنجم الفرنسي السابق إيريك كانتونا عبّر عن تضامنه مع الفلسطينيين، مستخدماً مكانته الرياضية في إيصال رسالة سياسية وإنسانية.
وفي الموسيقى، ظل روجر ووترز من أكثر الفنانين الغربيين انتقاداً للسياسات الإسرائيلية ومدافعاً عن الحقوق الفلسطينية. وقد واجه بسبب مواقفه انتقادات واتهامات بمعاداة السامية، وهي اتهامات رفضها ووترز.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
حق الفنان في التعبير، وحق الآخرين في نقد مضمون هذا التعبير.
فحرية التعبير لا تعني الحصانة من النقد، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى وسيلة لإسكات صاحب الرأي.
هذه المساحة هي جوهر الحياة العامة الديمقراطية.
الحرب على الوعي
المسألة الأعمق في كل ذلك هي أن الحرب الحديثة لا تستهدف الأرض وحدها.
إنها تستهدف أيضاً الرواية التي يكوّنها الجمهور عن الحرب.
كل طرف يريد أن يقدّم تفسيره للأحداث، وأن يحدد من هو المعتدي ومن هو الضحية، وما الذي ينبغي أن يراه العالم وما الذي ينبغي أن يبقى خارج الصورة.
ولهذا أصبحت الصورة نفسها سلاحاً.
صورة طفل تحت الأنقاض.
صورة مستشفى.
صورة عائلة نازحة.
صورة مظاهرة في نيويورك أو لندن أو باريس.
وصورة ممثلة أميركية معروفة تقف وسط المحتجين.
كل صورة من هذه الصور تدخل في تشكيل الوعي.
ومن هنا لا يمكن فصل المعركة العسكرية عن المعركة الإعلامية والثقافية.
فلسطين تكسر حدود الجغرافيا
إحدى النتائج اللافتة للحرب على غزة أنها جعلت فلسطين حاضرة بقوة في المجال الثقافي العالمي.
فالجامعات شهدت احتجاجات واعتصامات.
والفنانون أصدروا بيانات.
والرياضيون عبّروا عن مواقفهم.
والكتاب والمثقفون دخلوا في نقاشات حادة.
كما ظهرت انقسامات داخل المؤسسات الثقافية نفسها.
وهذا يعني أن القضية الفلسطينية لم تعد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي مجرد ملف جيوسياسي بعيد في غرب آسيا، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة أوسع حول الاستعمار، وحقوق الإنسان، والاحتلال، والقانون الدولي، والتمييز، ومسؤولية الدول عن تصدير السلاح.
وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات السياسية لهذه القضايا، فإن اتساع النقاش نفسه يمثل تحولاً مهماً في المجال الثقافي العالمي.
المشاهير ليسوا بديلاً عن المقاومة السياسية أو المؤسساتية
سوزان ساراندون لا تستطيع وحدها تغيير سياسة واشنطن.
ولا يستطيع إيريك كانتونا إيقاف حرب.
ولا يستطيع أي ممثل أو مغنٍ أن يحل محل المؤسسات السياسية والقانونية والشعبية.
لكن قيمة هؤلاء تكمن في شيء آخر: كسر احتكار النخب السياسية للرواية.
فحين يدخل الفنان إلى النقاش، يصبح من الممكن أن تصل القضية إلى جمهور لم يكن يتابع تقارير الأمم المتحدة أو جلسات المحاكم الدولية.
وقد يكون هذا الجمهور هو الأكثر أهمية، لأنه جمهور الثقافة الشعبية، لا جمهور السياسة المتخصص.
من الشهرة إلى المسؤولية
الشخصية العامة أمام خيارين.
يمكنها أن تستخدم شهرتها لتبيع منتجاً.
ولا يعني ذلك أن الفنان ملزم بأن يكون ناشطاً أو أن يتخذ موقفاً سياسياً في كل أزمة. لكن عندما يقرر الدخول في المجال العام، تصبح كلمته جزءاً من النقاش العام، وتصبح مسؤولية استخدام المنصة أمراً لا يمكن تجاهله.
وهنا يتحول السؤال من:
«ماذا يستطيع الفنان أن يغير؟»
إلى سؤال أكثر أهمية:
«ماذا يمكن أن يحدث لو استخدم ملايين الأشخاص الذين يمتلكون منصات عامة أصواتهم في اللحظات التي يحتاج فيها الضحايا إلى أن يُسمع صوتهم؟»
قد لا توقف الكلمة الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع تحويل الحرب إلى مشهد عادي.
وقد لا تغير الصورة قراراً سياسياً، لكنها تستطيع أن تجعل معاناة المدنيين حاضرة في الوعي.
وقد لا يغيّر تصريح فنان موازين القوى، لكنه يستطيع أن يذكّر الجمهور بأن وراء كل رقم إنساناً.
الثقافة كجبهة للوعي
من هنا يصبح الفن جزءاً من معركة أوسع على الوعي.
والوعي ليس تفصيلاً هامشياً في الصراع.
فالقوة التي تستطيع فرض روايتها على الجمهور تمتلك جزءاً من القدرة على تحديد معنى الأحداث.
ولهذا فإن ظهور ساراندون في الاحتجاجات ليس مهماً لأنها نجمة سينمائية فحسب، بل لأن حضورها يطرح سؤالاً عن العلاقة بين الشهرة والضمير، والثقافة والسلطة، والفن والحرب.
إنها تقول، بصورة عملية، إن الفنان يستطيع أن يرفض أن تكون مهنته جداراً يفصله عن آلام العالم.
وهذه الرسالة تتجاوز فلسطين نفسها.
ففي كل حرب، هناك من يريد أن تتحول المأساة إلى أرقام، ومن يريد أن تبقى الصور بعيدة عن أعين الجمهور، ومن يفضل أن تُختزل حياة البشر في مصطلحات عسكرية وجيوسياسية.
لكن الثقافة تستطيع أن تفعل العكس.
تستطيع إعادة الإنسان إلى مركز المشهد.
الخاتمة: لا حياد أمام المأساة الإنسانية
ليست وظيفة الفنان أن يحسم النزاعات الدولية، ولا أن يقدم نفسه بديلاً عن المؤرخ أو القانوني أو الدبلوماسي.
لكن من حقه، مثل أي مواطن، أن يسأل عن الحرب، وأن يحتج، وأن يرفض، وأن يعلن تضامنه مع المدنيين، وأن يستخدم شهرته لفتح النقاش.
وقد تكون القيمة الحقيقية لموقف سوزان ساراندون في أنها تضع سؤالاً بسيطاً في مواجهة منظومة سياسية وإعلامية شديدة التعقيد:
هل يستطيع الإنسان أن يرى المأساة ثم يتصرف وكأنها لا تعنيه؟
في زمن أصبحت فيه الحروب تصل إلى غرف الناس مباشرة عبر شاشات هواتفهم، لم يعد الصراع على الأرض منفصلاً عن الصراع على الوعي.
وإذا كانت الطائرات والصواريخ تصنع وقائع الميدان، فإن الصور والكلمات والشهادات تصنع جزءاً من ذاكرة العالم.
من هنا يصبح الفنان الذي يقرر الكلام أكثر من مجرد مشهور.
إنه يصبح شاهداً.
والشهادة، عندما تأتي من شخصية تمتلك ملايين المتابعين، يمكن أن تتحول إلى قوة ثقافية حقيقية: لا توقف الحرب وحدها، لكنها ترفض أن تمر المأساة بلا صوت، وتفتح نافذة أمام جمهور واسع ليرى الجانب الإنساني من صراع تحاول السياسة أحياناً اختزاله في لغة المصالح والتحالفات والسلاح.
وهنا تحديداً تكتسب مشاركة ساراندون معناها الأوسع: أن الثقافة ليست دائماً ملاذاً من السياسة؛ أحياناً تكون إحدى ساحات مقاومتها، وأن الكلمة، عندما تصدر عن ضمير حي وتصل إلى ملايين الناس، يمكن أن تصبح فعلاً من أفعال الوعي.
د. نبيلة عفيف غصن