​هناك فقدٌ نبكيه، وهناك فقدٌ يهزّ شيئاً عميقاً في داخلنا؛ لأن الذي غاب لم يكن بالنسبة إلينا مجرد شخص، بل كان جزءاً من إحساسنا بالأمان.
​هكذا كان وقع استشهاد السيد.
​لم تكن خسارته بالنسبة إلينا خبراً سياسياً أو حدثاً عسكرياً يُقاس بلغة الأرقام والخسائر والأرباح، بل كانت صدمةً وجودية؛ كأن ركناً أساسياً من أركان الطمأنينة التي احتمينا بها طويلاً قد انكسر فجأة، وتركنا في مواجهة فراغ لم نكن مستعدين له.
​كان لدينا إحساس بأن هناك من يسندنا؛ من يعرف كيف يتصرف عندما تضيق الخيارات، وكيف يقرأ العاصفة عندما تختلط الاتجاهات، وكيف يحمل أثقال الخوف عن الناس من دون أن يُشعرهم بثقلها. كان بالنسبة إلى كثيرين، وأنا منهم، أكثر من قائد: كان سنداً، وكان حضوراً يمنحنا شعوراً بأننا لسنا وحدنا، وأن هناك من يحمل معنا جزءاً من هذا القلق الثقيل.
​ولهذا كان غيابه قاسياً إلى هذا الحد.
​حين رحل، شعرنا للحظة أن شيئاً في داخلنا قد انكسر، وتسلّل إلينا ذلك الإحساس القاسي الذي لا يحب الإنسان الاعتراف به: اليأس.
​ليس لأن القضية انتهت، ولا لأن الطريق أُغلق، بل لأن الشخص الذي اعتدنا أن نراه واقفاً في مقدمة العاصفة لم يعد هناك.
​وهذه، ربما، كانت أقسى لحظات الفقد: أن تكتشف فجأة حجم المساحة التي كان يشغلها إنسان في وجدانك، بعدما تصبح تلك المساحة فارغة.
​في زمن الخيبات، يصبح الضمير الحيّ قيمة نادرة
​ربما ما يجعل الفقد أكثر إيلاماً أننا نعيش زمناً ثقيلاً، تتراكم فيه الخيبات، وتتسع فيه مساحات المساومة، ويصبح التراجع أحياناً أسهل من الصمود، والصمت أسهل من قول الحقيقة، والمصلحة الضيقة أقوى من المسؤولية العامة.
​في مثل هذا الزمن، لا يكون صاحب الضمير الحيّ شخصاً عادياً، بل يصبح وجوده بحد ذاته موقفاً.
​كان السيد بالنسبة إلينا صورة لإنسان استطاع، وسط العواصف والضغوط، أن يحافظ على حضوره وعلى ارتباطه بالناس وبالقضية التي آمن بها. ولذلك لم يكن فقده فقدان رجل فحسب؛ بل كان فقدان نموذج.
​نموذج الإنسان الذي لا يتعامل مع آلام الناس كأرقام، ولا مع المسؤولية كامتياز، ولا مع المواقف كمساحات للمساومة.
​وهنا تكمن صعوبة الفقد؛ فنحن لا نفتقد شخصاً اعتدنا وجوده فقط، بل نفتقد إحساساً كان وجوده يمنحنا إياه: أن هناك من يحمل الهمّ معنا، من يقف عندما يتراجع الآخرون، ومن يستطيع في أحلك اللحظات أن يقول لنا، بالفعل قبل الكلام: “لا تخافوا، ما زال في الإمكان أن نصمد.”
​وهذا الإحساس لا يُستعاد بسهولة.
​حين يغيب السند، تبدأ المسؤولية
​ربما كان السؤال الذي واجهناه بعد الصدمة ليس: كيف نحزن؟ فنحن نعرف كيف نحزن.
​السؤال الأصعب هو: كيف نكمل؟
كيف نستمر بعدما غاب من كان يمنحنا ذلك الشعور بأن الطريق، مهما اشتدّ، ليس مستحيلاً؟
كيف نحفظ ما مثّله لنا، من دون أن يتحول الحزن إلى عجز، والوفاء إلى بكاء دائم، والذاكرة إلى مجرد حنين؟
​هنا يبدأ المعنى الحقيقي للوفاء.
​فالذين نحبهم لا نستطيع أن نمنع عنهم الرحيل، ولا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نمنع رحيل ما زرعوه فينا.
​السيد رحل، لكن الأمل الذي مثّله لا يجوز أن يرحل معه.
​هذه هي المسؤولية الأصعب:
​أن نرفض أن يكون غيابه سبباً لانهيار ما كان وجوده يقوّيه.
​أن نحول الحزن إلى قوة، والصدمة إلى وعي، والدمعة إلى إرادة، والفراغ إلى مسؤولية.
​فالوفاء ليس أن نبقى أسرى للحظة الاستشهاد، بل الوفاء هو أن نحمل ما تركه فينا؛ أن نبقى أوفياء للكرامة التي آمن بها، وللوطن الذي أحبّه، وللناس الذين حمل همّهم، وللصدق الذي جعل حضوره مختلفاً.
​القادة يرحلون، مهما طال بقاؤهم، أما القيم التي عاشوا من أجلها فتبقى إذا وجد من يحملها.
​لقد علّمنا وجوده، من حيث ندري أو لا ندري، أن الإنسان يستطيع أن يقف في وجه العاصفة من دون أن يفقد بوصلته، وأن الضمير ليس ترفاً، وأن الثبات ليس شعاراً، وأن الأمل ليس سذاجة.
​لذلك لا يجوز أن نسمح للحظة الفقد بأن تنتصر على المعنى الذي صنعه طوال حياته.
​نعم، فقدناه.
ونعم، كان غيابه موجعاً إلى درجة جعلتنا نشعر للحظة بأن شيئاً كبيراً قد تهدّم في داخلنا.
​لكن علينا أن نفهم الآن شيئاً أعمق: لم يكن حضوره مجرد شخص؛ بل كان فكرةً، وثقةً، وأملاً، ومسؤوليةً.
​والشخص قد يغيب، أما الفكرة فلا تموت إلا إذا تخلّينا عنها.
​لذلك، لن يكون وفاؤنا الحقيقي له بأن نبقى واقفين عند لحظة رحيله، بل بأن ننهض من تحت ثقلها:
​لن نحول الفاجعة إلى استسلام.
​ولن نسمح للخوف الذي جاء بعد رحيله أن يهزم الأمل الذي تركه قبل رحيله.
​سنحزن، نعم.
وسنبقى نشعر أحياناً بأن شيئاً كبيراً ينقصنا.
​لكننا سنكمل؛ لأن قيمة من نحب لا تُقاس فقط بحجم الفراغ الذي يتركه، بل بما يتركه فينا من قدرة على الاستمرار.
​فلتكتمل الخيمة بالغياب، لا بالانهيار.
ولتكن هذه اللحظة، بكل ما فيها من وجع، بدايةً لحراسة الأمل لا دفنه.
​فالسيد غاب، لكن المعاني التي أحببناه من أجلها لا ينبغي أن تغيب.
​وهذه المرة، علينا نحن أن نحمل الأمل.
د. نبيلة عفيف غصن