حين يصير العشقُ شهيداً.. ويصبح الشهيدُ عشقاً لا يموت

أ.محمد البحر المحضار …

ماذا نقول لقائدٍ غاب عن العين ولم يغب عن القلب؟
ماذا نكتب لسيدٍ حمل همّ الأمة فوق كتفيه، ومشى على درب الشهادة بقدمين ثابتتين لا تعرفان التراجع؟
هل تكفي الكلمات لتصف رجلاً صار اسمه نشيداً يتردد في أزقة الضاحية، وفي جبال الجنوب، وفي كل قلبٍ حرّ في هذا العالم؟
كيف نكتب عن رجلٍ جعل من الصمت حكمة، ومن الكلمة موقفاً، ومن الموقف موتاً في سبيل الله؟

مضت سنتان على غياب الجسد، لكن الحضور لم ينقص، بل ازداد.
غاب السيد حسن نصر الله عن المشهد في السابع والعشرين من أيلول عام 2024، حين صبّت طائرات العدوّ ثمانية وثلاثين طناً من الموت على الضاحية الجنوبية.
لكنه لم يغب عن الوجدان.
غاب جسدٌ وُوري التراب في الثالث والعشرين من شباط عام 2025، بعدما احتُفظ به خمسة أشهر كأمانةٍ في الأرض، وفق فتوى دينية أُجيزت لظروفٍ قاهرة، وبقي اسمه يتصاعد كرائحة العطر في كل مناسبة، وكطلعة الفجر في كل يومٍ يولد فيه الأمل من جديد.

وُلد السيد حسن عبد الكريم نصر الله في الحادي والثلاثين من آب عام 1960، في برج حمود، طفلاً تاسعاً بين عشرة أطفال.
لم يكن ذلك الطفل يعلم أن اسمه سيصبح لاحقاً مرادفاً للمقاومة، وأن صورته ستُعلّق على جدران القلوب قبل جدران البيوت.

درس في النجف، وتتلمذ في قم، وعاد إلى لبنان ليحمل الأمانة الكبرى عام 1992 خلفاً لسيدٍ شهيدٍ آخر، السيد عباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، صار السيد نصر الله صوتاً لا يخاف، وموقفاً لا يتراجع، ووعداً لا يُخلف.

في عام 2000، تحقق وعد الله على يديه: انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية بعد اثنتين وعشرين سنة من الاحتلال.
وفي عام 2006، خاضت المقاومة حربها الكبرى، وثبت السيد كالجبل، وخرج لبنان من تلك الحرب أكثر عزماً وأشدّ صلابة.
لم يكن السيد رجلاً عادياً، بل كان ظاهرةً قلّ أن يجود الزمان بمثلها.
كان الصادق في نظر خصومه قبل حلفائه، وصاحب الكلمة الواحدة في كل الظروف.

حتى استشهاد ولده البكر هادي عام 1997، خرج ليعلن أن دماء أولاد القادة ليست أغلى من دماء بقية شباب المقاومة.
تلك اللحظة وحدها تكفي لتلخيص رجلٍ جعل من الفداء عقيدة، ومن التضحية منهجاً.

والعشق؟ لا تسألوا عن العشق.
فالعشق ليس كلمةً تُقال، بل هو أن تنظر إلى صورة السيد فتشعر أن قلبك يعرف الطريق.
العشق هو أن تسمع صوته في تسجيلاتٍ قديمة، فتشعر أن الزمن لم يكن عابراً.
العشق هو أن تمرّ بمناسبة استشهاده في كل عام، فتشعر أنك تستقبل ضيفاً عزيزاً غاب عن العين وحضر في الروح.

الشوق إليه ليس شوقاً إلى شخصٍ فحسب، بل شوقٌ إلى معنى كاملٍ للحياة: إلى كرامةٍ عربيةٍ عائدة، إلى صوتٍ فلسطينيّ يسمعه كل مظلوم، إلى يقينٍ بأن الأرض تُستردّ بالدم لا بالتفاوض.

كان السيد يحمل في خطاباته نبرةً فريدة، نبرة الأب الذي يخاطب أبناءه بصدقٍ لا تصنّع فيه، وبحزمٍ لا قسوة فيه، وبشفافيةٍ نادرة.
كم من مرةٍ سمعناه يخاطب المجاهدين فيقول: “بكم أخرجنا الله من الذلّ والهوان والضعف والخوف والهزيمة، وفرج عنا بكم”.
وكم من مرةٍ خاطب الشهداء وعوائلهم بكلماتٍ تخرج من القلب فتدخل القلوب من دون استئذان.
كان يعرف أن الكلمة أمانة، فحملها كما حمل البندقية، وأدّاها كما أدّى الأمانة.

وفي الثالث والعشرين من شباط عام 2025، خرجت بيروت لتودّع جسداً، لكنها في الحقيقة كانت تودّع معنىً كاملاً. عشرات الآلاف احتشدوا في مدينة كميل شمعون الرياضية، في مشهدٍ وصفته وسائل الإعلام بأنه “وداعٌ لا مثيل له”.
بكى الرجال قبل النساء، وارتفعت الأصوات بالعهد والوفاء.
لم يكن ذلك التشييع مجرد مراسم دفنٍ، بل كان استفتاءً شعبياً على محبة رجلٍ دخل التاريخ من أوسع أبوابه.

ساروا خلف جثمانه، وهم يعلمون أنهم لا يشيّعون جسداً فحسب، بل يشيّعون حقبةً كاملة من الصدق والثبات والكرامة.

وفي كل عامٍ، حين يأتي أيلول، يهتز القلب قبل أن تهتزّ الأرض.
في السابع والعشرين من أيلول، يتوقف الزمن قليلاً، ويعود السيد إلى الذاكرة بكل تفاصيله: صوته، نظراته، خطابه، وعدّه الذي لم يُخلف. ذكرى استشهاده ليست مناسبةً للحزن فقط، بل هي مناسبةٌ للتجديد.
تجديد العهد، وتجديد العشق، وتجديد الإيمان بأن المقاومة ليست أشخاصاً، بل فكرة. والشخص الذي يرحل في سبيل فكرةٍ خالدة، لا يرحل أبداً.

قد يسأل سائل: هل خسرنا السيد؟
وأقول بملء الفم والقلب: لا. خسرنا جسداً، لكننا لم نخسر الخط.
خسرنا حضوراً مادياً، لكننا لم نخسر حضوراً معنوياً.
السيد نصر الله لم يكن مجرد قائدٍ عسكري، بل كان مدرسةً كاملة.
مدرسةٌ في الصدق، ومدرسةٌ في التواضع، ومدرسةٌ في حبّ الناس قبل أن يحبّوه.
ومن يتعلم من مدرسة السيد، لا يمكن أن يخسر.
لأن مدرسة السيد لا تخرّج تلاميذ، بل تخرّج عشاقاً.