في مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، وضعت سنابل الراعي، زوجة الأسير الفلسطيني باسل الأسمر، توأميها علي وأوتار، بعد نجاح عملية زراعة نطفة جرى تهريبها من داخل سجون الاحتلال، فيما لا يزال والدهما يقبع خلف القضبان بعد أكثر من 24 عامًا على اعتقاله. وُلد الطفلان في 20 آب/أغسطس الجاري، في وقت لم يكن فيه والدهما حاضرًا إلى جانب زوجته، ولم يتمكن من احتضانهما أو استقبال خبر ولادتهما في لحظاته الأولى، ليضافا إلى قائمة الأطفال الفلسطينيين الذين ولدوا من نطف أسرى جرى تهريبها من داخل سجون الاحتلال. وبحسب ما نقلته مصادر إعلامية عن عائلة الأسير، فإن باسل لم يكن قد علم بولادة طفليه حتى وقت نشر الخبر، بسبب الإجراءات المشددة التي تعتمدها إدارة السجون مع الأسرى الفلسطينيين لعزلهم عن العالم. وتعيد ولادة التوأم إلى الواجهة قضية الأسرى الفلسطينيين الذين يقضون أحكامًا طويلة داخل سجون الاحتلال، ووجد بعضهم في تهريب النطف وسيلة للإنجاب في ظل حرمانهم من الحياة الزوجية الطبيعية، ومن إمكانية تكوين أسرهم خلال سنوات الاعتقال. زيارة فزواج بدأت قصة سنابل وباسل عام 2021، عندما كانت سنابل تزور شقيقها الأسير شاهر الراعي في سجون الاحتلال، وهناك التقت باسل الأسمر، الذي كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد إضافة إلى 20 عامًا. وخلال إحدى الزيارات، تطورت العلاقة بينهما، ليتقدم باسل لخطبتها من شقيقها الأسير، وتتحول العلاقة لاحقًا إلى زواج، رغم أن باسل كان قد أمضى سنوات طويلة في الأسر، ولم تكن أمام الزوجين فرصة لحياة زوجية طبيعية. وفي شباط/فبراير 2022، تمكن باسل من إتمام إجراءات الزواج عبر توكيل وصل إلى شقيقه، فتولى الأخير عقد قرانه على سنابل نيابة عنه، بينما بقي العريس داخل سجن الاحتلال. حتى تفاصيل الزواج حملت أثر الأسر؛ إذ لم يتمكن الزوجان من التقاط صورة زفاف تجمعهما بصورة طبيعية، فظهرت سنابل إلى جانب صورة مركبة لزوجها الأسير، في ظل استمرار احتجازه ومنعه من مغادرة السجن. وبعد الزواج، تمسك الزوجان بحقهما في الإنجاب، رغم أن باسل كان يقضي حكمًا طويلًا يجعل سنوات الأسر مفتوحة على احتمالات بعيدة، فيما لم تكن أمامهما فرصة للعيش الزوجي الطبيعي. لا تخرج عشوائيًا هنا بدأت قصة النطفة المهربة، وهي الطريقة التي لجأ إليها أسرى فلسطينيون متزوجون آخرون ممن يقضون أحكامًا طويلة داخل سجون الاحتلال، بهدف الإنجاب رغم استمرار الاعتقال. وبحسب الباحثة عبير الخطيب، صاحبة دراسة “ثورة تهريب النطف من المعتقلات الإسرائيلية”، فإن تهريب النطف من سجون الاحتلال تسبقه ترتيبات واتفاقات بين الأسير وزوجته والعائلتين، في ظل حساسية العملية وما يرافقها من مخاطر داخل السجن وخارجه. وتوضح الخطيب أن عملية تهريب النطف تبدأ باتفاق الأسير وزوجته وعائلتيهما، ثم يجري ترتيب كيفية إخراج النطفة من داخل السجن ونقلها إلى الخارج، قبل إيصالها إلى جهة طبية مختصة بحفظها واستخدامها في عمليات الزراعة. ولا تنتهي العملية عند لحظة إخراج النطفة، إذ إن نقلها وحفظها يمثلان مرحلة أساسية لضمان إمكانية استخدامها طبيًا، فيما تراكمت لدى الأسرى وعائلاتهم خبرة في التعامل مع هذه العملية مع تكرار التجارب خلال السنوات الماضية. وتشير التجارب التي وثقتها الخطيب إلى أن الزوجة قد تحتاج إلى أكثر من محاولة زراعة حتى يتحقق الحمل، ما يعني أن إخراج النطفة من السجن لا يعني بالضرورة نجاح العملية، وإنما تبدأ بعد ذلك مرحلة طبية أخرى قد تمتد لفترة طويلة.  عامين من المحاولات وبحسب ما روته عائلة الأسير باسل الأسمر، فإن قصة التوأم بدأت قبل أكثر من عامين، عندما بدأت محاولات إخراج نطف الأسير من داخل سجون الاحتلال، قبل أن تتمكن العائلة من إخراجها وحفظها بالتجميد، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من رحلة الإنجاب. وقال محمد الريماوي، ابن شقيقة الأسير باسل الأسمر، إن العائلة تمكنت من إخراج النطفة من السجن، ثم جرى تجميدها تمهيدًا لاستخدامها في عملية الزراعة. ولم تكن عملية إخراج النطفة نهاية الطريق، إذ كان على الأسرة بعد وصولها إلى الخارج الحفاظ عليها ونقلها إلى الجهة الطبية المختصة، قبل أن تبدأ سنابل محاولات زراعتها. وخضعت سنابل لأكثر من محاولة لزراعة النطفة، إلا أن المحاولات الأولى لم تنجح، قبل أن تتكلل المحاولة الأخيرة بالحمل، لتكتشف الأسرة أن الرحلة التي بدأت من داخل سجن الاحتلال انتهت بحمل توأم. اعتقلت قوات الاحتلال باسل الأسمر في 20 شباط/فبراير 2002، وحكمت عليه بالسجن المؤبد إضافة إلى 20 عامًا، على خلفية اتهامه بالمشاركة في اغتيال وزير السياحة “الإسرائيلي” الأسبق “رحبعام زئيفي”. وفي العام ذاته، هدمت قوات الاحتلال منزل عائلته، فيما استمر اعتقاله طوال السنوات التالية، ليكون قد أمضى أكثر من 24 عامًا داخل سجون الاحتلال حتى ولادة طفليه. وخلال سنوات الأسر، واصل باسل تعليمه، وحصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، كما بدأ دراسة إدارة الأعمال ومرحلة الماجستير قبل أن تتوقف دراسته في ظل ظروف الاعتقال. تجربة تتكرر ولم تكن قصة باسل الأسمر وسنابل الراعي الأولى من نوعها بين الأسرى الفلسطينيين، إذ بدأت تجارب الإنجاب عبر النطف المهربة تأخذ طريقها إلى العلن منذ عام 2012، عندما تمكن الأسير عمار الزبن من إنجاب طفله مهند عبر نطفة جرى تهريبها من داخل السجون. ومنذ ذلك الوقت، تكررت التجارب، وأنجبت زوجات أسرى فلسطينيين أطفالًا عبر النطف المهربة، في ظل استمرار الأحكام الطويلة وحرمان الأسرى من الزيارات الزوجية والحياة الأسرية الطبيعية. وتناولت دراسات وأبحاث فلسطينية الظاهرة، ورصدت دوافع الأسرى وزوجاتهم، والجدل الاجتماعي والقانوني والشرعي المرتبط بها، إضافة إلى أوضاع الأطفال الذين يولدون بهذه الطريقة. وتوضح الباحثة وسيلة طعمة، التي تناولت الظاهرة ميدانيًا في رسالة ماجستير بعنوان “الأبعاد الاجتماعية والقانونية لإنجاب زوجات الأسرى عبر النطف المهربة: دراسة حالة شمال الضفة الغربية”، نوقشت في جامعة النجاح الوطنية عام 2019، أنها اعتمدت على منهجين كمي وكيفي، وشملت 63 زوجة أسير في شمال الضفة الغربية، إلى جانب مقابلات مفتوحة ومعمقة مع 17 زوجة أسير أنجبن عبر النطف المهربة. وتشير هذه الدراسات إلى أن اللجوء إلى النطف المهربة ارتبط بصورة خاصة بالأسرى الذين يواجهون أحكامًا طويلة أو مؤبدات، إذ قد يعني انتظار الحرية سنوات طويلة، فيما تكون الزوجة في الخارج أمام سنوات الإنجاب التي لا يمكن للأسير أن يعيش خلالها حياته الزوجية بصورة طبيعية. ولهذا، لم تكن النطفة بالنسبة إلى هؤلاء الأسرى مجرد وسيلة للإنجاب، وإنما ارتبطت بحقهم في تكوين الأسرة، وفي أن يكون للأسير أبناء يكبرون خارج السجن بينما يقضي هو سنوات عمره خلف القضبان. قرار وتحدي أن قرار خوض هذه التجربة لا يرتبط برغبة الزوجة في الإنجاب بمعناها المباشر فقط، بل تقف خلفه دوافع متشابكة، في مقدمتها رغبتها في تحقيق حلم الأمومة، ومنح زوجها الأسير فرصة أن يعيش الأبوة رغم وجوده خلف القضبان، إلى جانب الحفاظ على تماسك الأسرة وعدم ترك سنوات الاعتقال الطويلة تفرض نفسها على مستقبل الزوجين وحقهما الطبيعي في تكوين أسرة. وتوضح طعمة أن هذه الرغبة تقابلها تحديات متعددة تبدأ من اللحظة التي تتخذ فيها الزوجة قرار خوض التجربة، إذ تجد نفسها أمام ظروف اجتماعية ونفسية مختلفة عن تجربة الحمل الطبيعية؛ فهي تخوض مراحل العلاج والزراعة بينما يبقى الزوج داخل السجن، وتتحمل وحدها جانبًا كبيرًا من الانتظار والقلق واحتمالات نجاح العملية أو فشلها، إلى جانب ما قد يرافق التجربة من نظرة اجتماعية وتساؤلات حول طبيعة الإنجاب عبر النطف المهربة. ولا تنتهي هذه التحديات بوصول النطفة إلى الخارج، بل تبدأ مرحلة جديدة من الإجراءات الطبية ومحاولات الزراعة، التي قد لا تنجح من المرة الأولى، ما يفرض على الزوجة تكرار التجربة وتحمل أعبائها النفسية والجسدية والمادية. وفي الوقت نفسه، يظل الأسير بعيدًا عن تفاصيل هذه الرحلة، فلا يستطيع مرافقة زوجته خلال العلاج أو مشاركتها لحظات القلق والانتظار كما يحدث في حالات الحمل الطبيعية. وتشير الدراسة إلى أن هذه التفاصيل تجعل تجربة الإنجاب عبر النطف المهربة امتدادًا لمعاناة الأسير وزوجته معًا؛ فالسجن لا يحرم الأسير من وجوده إلى جانب زوجته فحسب، بل يفرض أثره على مراحل تكوين الأسرة نفسها، فيما تتحمل الزوجة في الخارج جانبًا كبيرًا من تبعات محاولة الحفاظ على حقهما في الإنجاب.

المصدر : وكالة شهاب