سوريا بعد واحد وعشرين شهراً: العملاء لا الثوار، والاحتلال لا التحرير
بعد مرور واحد وعشرين شهراً على سقوط الدولة السورية، لم يعد ممكناً لأي متابع صادق أن يستمر في وصف ما جرى بـ”الثورة”. فالثورات تحمل مشروعاً وطنياً، وتُنتج تحرراً لا احتلالاً. أما ما جرى في سوريا فكان عملية ممنهجة، استُخدم فيها أبناء البلد أنفسهم – بسلاحهم وبفكرهم – كأدوات لتفكيك دولة كانت تسير، رغم كل الظروف، في مسار البناء والتقدم على المستويات كافة.
من حمل السلاح ضد دولته، ومن هلّل فكرياً وإعلامياً لهذا المسار، لم يكن صاحب مطلب مشروع بقدر ما كان أداة نفّذت أجندة لا تخصه. الفرق جوهري: صاحب القضية يبني، أما العميل فيهدم بيد غيره. وما جرى في سوريا كان هدماً بأيدٍ سورية، لمصلحة مشاريع لا علاقة لها بالسوريين ولا بمصالحهم. والحقيقة التي لا يجب أن تُجمَّل هنا: أبو محمد الجولاني – أحمد الشرع – كان لسنوات طويلة على رأس قوائم الإرهاب العالمي، مطلوباً بمكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار، بصفته زعيم “هيئة تحرير الشام”، الذراع التي تشكلت من رحم تنظيم القاعدة في سوريا (جبهة النصرة سابقاً). صحيح أن قراراً سياسياً رفع اسمه مؤخراً من قوائم العقوبات الدولية، وصحيح أنه جلس اليوم على طاولة مع رؤساء دول – لكن هذا لا يغيّر من طبيعة الرجل ولا من تاريخه شيئاً. القرارات السياسية تُتخذ لحسابات نفعية، لا لأنها تعكس حقيقة، ولا لأنها تمحو سجلاً دموياً بقرار توقيع. من كان إرهابياً بفكره وسلاحه وتنظيمه، لا يتحول إلى “رجل دولة” بجرة قلم من مجلس الأمن أو بمصافحة في قمة دولية.
النتيجة اليوم واضحة لمن يريد أن يرى: دمشق لم تُحرَّر، بل انتقلت من احتلال داخلي مزعوم إلى واقع أشد تعقيداً – نفوذ إسرائيلي وتركي وأمريكي يُدار عبر وكيل محلي، صعد من صفوف تنظيم مصنف إرهابياً إلى سدة الحكم. من ظن أنه يقاتل من أجل “الحرية” وجد نفسه أداة استُخدمت ثم استُبدلت بغطاء سياسي جديد.
فهل حان الوقت لهذا الشعب – الذي شارك بعضه في تدمير دولته، سلاحاً أو فكراً – أن يقف أخيراً في وجه هذا الاحتلال المقنّع بلافتات محلية؟ أم أن السقوط بات نهائياً، والشعب الذي فرّط في دولته لم يعد قادراً على استعادتها؟ الإجابة لن تأتي من الخارج، ولن تأتي من قرارات مجالس دولية ترفع اسم إرهابي من قائمة حين يخدم ذلك مصالحها. الإجابة، إن وُجدت، لن تُكتب إلا بوعي سوري يرفض تبييض من دمّر بلده، ويعيد للدولة معناها الحقيقي .
وسيم الحرستاني_ عضو الجبهة العربية السورية
