في رحاب المولد النبوي الشريف

اليمن بين بركة المناسبة وثبات الموقف وإسقاط الرهانات

بقلم: الدكتورة بدور الديلمي
باحثة في الشؤون السياسية

في رحاب شهر ربيع الأول، ومع اقتراب ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تعيش اليمن أيامًا استثنائية تتداخل فيها مشاعر الفرح الديني مع معاني الصمود والثبات والتمسك بالهوية.
فمنذ أسابيع، بدأت المدن والأحياء اليمنية ترتدي حلتها الخاصة؛ تتزين المنازل والشوارع والمحلات والسيارات، وتقام الفعاليات في المدارس والمساجد والمؤسسات والساحات، استعدادًا للمناسبة التي تحظى بحضور واسع في المجتمع اليمني.
وبعد يومين، تبلغ هذه الفعاليات ذروتها في الحفل الأكبر للمولد النبوي الشريف، في مشهد جماهيري واسع، يجسد حجم الحضور الشعبي لهذه الذكرى ومكانتها في وجدان اليمنيين.
إنه مشهد لا يمكن قراءته باعتباره مجرد احتفال عابر، بل باعتباره تعبيرًا عن ارتباط مجتمع كامل بسيرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، واستحضارًا لقيم الرحمة والأخلاق والتكافل والصبر والثبات.
ربيع الأول.. شهر الذكرى والفرح
يحمل شهر ربيع الأول مكانة خاصة في قلوب المسلمين، لارتباطه بذكرى مولد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي اليمن، تأخذ مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة طابعًا واسعًا؛ فتضاء الشوارع، وتتزين السيارات والبيوت والمحلات، وترفع الرايات، وتقام الفعاليات الدينية والثقافية والاجتماعية في مختلف المناطق.
وتتجاوز المناسبة إطار المكان الواحد، لتصبح موسمًا من الفعاليات المجتمعية التي تستحضر السيرة النبوية وتربطها بقيم الرحمة والتكافل والتعاون وحسن التعامل.
بركة المناسبة ورسالة الثبات
في هذه المناسبة، يستحضر اليمنيون القيم التي حملتها السيرة النبوية من صبرٍ وثباتٍ ورحمةٍ وتكافلٍ ونصرةٍ للمظلوم.
ومن هنا تتقاطع المناسبة الدينية مع الواقع اليمني؛ فالمولد يأتي هذا العام في ظل مرحلة سياسية وعسكرية حساسة، ما يجعل الاحتفاء به بالنسبة للمحتفلين به تعبيرًا عن الهوية والتمسك بالقيم، إلى جانب كونه مناسبة دينية واجتماعية.
إن بركة المناسبة، في وجدان اليمنيين، ترتبط بالفرح برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وباستحضار سيرته وما تمثله من قيم إنسانية وأخلاقية قادرة على توحيد المجتمع وتعزيز روح التكافل فيه.
من رهانات الحسم إلى معادلة الصمود
على امتداد سنوات الحرب، ظهرت رهانات على إمكانية حسم الصراع عسكريًا وإجبار صنعاء على التراجع تحت وطأة الضغط العسكري والاقتصادي.
لكن طول أمد الحرب، ثم الانتقال إلى مسارات التفاوض والهدنة، أظهر أن الملف اليمني أكثر تعقيدًا من أن يُحسم بالقوة وحدها.
واليوم، ومع استمرار التوتر والتصعيد، تقدم القوات المسلحة اليمنية مواقفها وعملياتها باعتبارها جزءًا من معادلة ردع في مواجهة ما تعتبره تهديدًا وعدوانًا.
وهنا لا تبرز القوة العسكرية وحدها، بل تبرز معها قدرة المجتمع على الصمود والحفاظ على تماسكه وهويته ومناسباته الدينية والاجتماعية.
المولد.. صمود يتجاوز الميدان
المشهد اليمني في أيام المولد يقدم صورة مختلفة لمعنى الصمود.
فالصمود لا يُقاس فقط بما يحدث في ميادين المواجهة، وإنما أيضًا بقدرة المجتمع على مواصلة حياته، والحفاظ على ثقافته ومناسباته، وإقامة فعالياته رغم الظروف الصعبة.
وتزيين الشوارع والبيوت والسيارات، وإقامة الفعاليات في المدارس والمؤسسات والأحياء، تمثل لدى المحتفلين بالمناسبة صورة من صور الحضور المجتمعي والتمسك بالهوية.
اليمن.. حين يتحول المولد إلى مشهد وطني
خلال أسابيع المولد، تتحول المدن والأحياء إلى مشهد واحد تتداخل فيه الأضواء والرايات والفعاليات واللقاءات.
وبعد يومين، يصل هذا الموسم إلى محطته الأبرز مع الحفل الأكبر، الذي يجمع الحشود في مناسبة تستحضر ذكرى المولد النبوي الشريف.
وهنا تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال؛ لتصبح مساحة للتذكير بقيم الرحمة والتكافل والوحدة والصبر والثبات.
إسقاط الرهانات.. قراءة سياسية
سياسيًا، تكشف سنوات الصراع أن الرهان على الحسم السريع لم يكن كافيًا لإنهاء الأزمة اليمنية.
كما أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية لم تنتج وحدها التسوية السياسية المنشودة، بينما بقي الملف اليمني حاضرًا في الحسابات الإقليمية والدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن إسقاط الرهانات لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع أو تحقيق نصر نهائي لطرف واحد، بل يعني أن المعادلات التي بُنيت عليها الحرب أثبتت محدوديتها، وأن أي حل مستقبلي يحتاج إلى التعامل مع الواقع اليمني كما هو، وليس كما أرادت بعض الأطراف أن يكون.
الرسالة الأوسع
بين فرحة المولد النبوي الشريف، وبركة شهر ربيع الأول في وجدان اليمنيين، وتعقيدات المشهد السياسي والعسكري، تتشكل صورة يمنية تحمل رسائل متعددة.

رسالة دينية تستحضر سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
ورسالة اجتماعية تؤكد التكافل والتماسك.
ورسالة وطنية تعكس التمسك بالهوية.
ورسالة سياسية تؤكد أن اليمن أصبح طرفًا لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة.
الخلاصة
بين بركة ربيع الأول، وفرحة المولد النبوي الشريف، وتحديات المرحلة السياسية والعسكرية، يعيش اليمنيون أيامًا تحمل أكثر من معنى.
فالمولد مناسبة للفرح، واستحضار السيرة، وتجديد القيم الأخلاقية والإنسانية.
وهو كذلك مناسبة للتأمل في سنوات الحرب، وما أفرزته من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية، وإعادة قراءة الرهانات التي طُرحت على مدى سنوات.
وبعد يومين، ومع وصول فعاليات المولد إلى الحفل الأكبر، سيشهد اليمن مشهدًا جماهيريًا واسعًا تتجسد فيه مظاهر الفرح والاحتفاء، وتُستحضر فيه سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وقيمه العظيمة.
ففي ربيع الأول تتجدد الذكرى، وفي المولد تتجدد الفرحة، وبالقيم النبوية يتجدد الأمل، وبالصبر والثبات يواجه اليمن تحدياته.

بقلم: الدكتورة بدور الديلمي
باحثة في الشؤون السياسية