في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات الهجرة الكبرى التي شهدها البحر الأبيض المتوسط، تعيش مدينة سبتة المحتلة أياماً عصيبة، لا تقتصر معاناتها على آلاف المهاجرين غير الشرعيين الذين ينامون في أكواخ من القش والكرتون على شواطئها، بل تتعداها إلى صراع جيوسياسي معقد، أصبحت فيه المدينة الصغيرة رهاناً في لعبة كبرى بين القوى الدولية.

رغم تأكيدات الحكومة الإسبانية اليسارية برئاسة بيدرو سانشيز على السيطرة الكاملة على الوضع، فإن المدينة تشهد انزلاقاً متسارعاً نحو الفوضى. فمركز استقبال المهاجرين يعمل بنسبة تفوق طاقته الاستيعابية بـ 2872%، مما أجبر الآلاف على النوم في العراء، في مشهد يثير الاستغراب في مدينة تعتبر نفسها بوابة أوروبا إلى إفريقيا.وتشير التقارير إلى وجود ما بين 8 إلى 11 ألف مهاجر غير شرعي في المدينة، بينهم نحو 1100 قاصر غير مصحوبين بذويهم، يعيشون في ظروف وصفتها السلطات المحلية بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”. ويتحدث السكان عن محاولات اقتحام منازل ووقوع اعتداءات، في مؤشر واضح على تآكل النسيج الاجتماعي للمدينة.

في خلفية هذه الفوضى، يتجدد الصراع السيادي بين المغرب وإسبانيا، حيث صعدت الرباط من لهجتها بشكل غير مسبوق. فوزير عدل المغرب، عبد اللطيف وهبي، صرح بأن ملف سيادة سبتة ومليلية “لا يزال مطروحاً على الطاولة” ويُطرح في كل لقاء ثنائي، في إعادة فتح لملف ظل خامداً لسنوات.

الرد الإسباني جاء حازماً على لسان وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، التي أكدت من قلب سبتة أن المدينتين “إسبانيتان للغاية ولا يُمسّان”، معتبرة أي حديث عن السيادة أمراً غير قابل للنقاش. هذا التصادم العلني كشف عمق الشرخ بين البلدين، رغم محاولات مدريد الحفاظ على خطاب دبلوماسي هادئ.

في تطور لافت، تحولت أزمة سبتة إلى بؤرة توتر داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. فبينما قادت إيطاليا والدنمارك مبادرة وقعها 22 رئيس دولة وحكومة، أعربوا فيها عن “قلق بالغ” ودعوا لاجتماع طارئ، ركزت الرسالة على ضرورة تعزيز الحدود الخارجية ومكافحة شبكات التهريب.

لكن سرعان ما تحول الموقف، حيث أبدت الدول تفهماً لجهود إسبانيا في اجتماع وزراء الداخلية الأوروبي الطارئ، وأكد مفوض الهجرة أن الأزمة تم “استغلالها من قبل المهربين”. غير أن الجدال الأوروبي كشف عن انقسامات عميقة حول سياسات اللجوء، واتهم بعض الأطراف إسبانيا بـ”الأنانية” وطالبوا بتعليق اتفاقية شنغن.

لكن الأكثر إثارة هو الدور الذي كشفته التحليلات السياسية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الأزمة. فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن واشنطن استغلت أزمة سبتة للضغط على إسبانيا، ليس فقط بسبب رفضها دعم الكيان الصهيوني اللقيط، بل لكبح النفوذ الصيني والروسي في شمال وغرب أفريقيا.

وفي خطوة غير مسبوقة، وصف تقرير للجنة المخصصات بمجلس النواب الأمريكي سبتة ومليلية بأنهما “مدينتان تحت الإدارة الإسبانية، لكنهما تقعان في الأراضي المغربية”، محثاً وزارة الخارجية على تشجيع الحوار بشأن “وضعهما المستقبلي”. كما لوحت إدارة ترامب بفرض حظر تجاري شامل على إسبانيا، وهو تهديد خطير لأنها تعتمد على أميركا في 30% من وارداتها من الغاز و20% من النفط.أما الدور الإسرائيلي، فكان أكثر وضوحاً وعدوانية، حيث هاجم سفير الكيان لدى الأمم المتحدة إسبانيا مباشرة، كاتباً: “آن الأوان لتوضح للعالم لماذا لا تزال تحتفظ بمستعمرات استعمارية في إفريقيا”. وكتب محللون موالون للكيان الصهيوني مقالات تدعو المغرب لتنظيم “مسيرة خضراء” جديدة نحو سبتة، في تصعيد علني أثار ردود فعل غاضبة في مدريد.

في هذا السياق، يتساءل المحللون عن دور المغرب في الأزمة. فالبعض يرى أن الرباط تستخدم أداة الهجرة للضغط على مدريد لتحقيق مكاسب سياسية، خاصة بعد تقارب الأخيرة مع الجزائر التي تدعم الصحراء الغربية. ويشير آخرون إلى أن المغرب قد يكون يختبر مدى هشاشة الحكومة الإسبانية، مستغلاً أزمة الهجرة كورقة ضغط في مفاوضات أوسع.غير أن الرباط تنفي هذه الاتهامات، وتؤكد تشديد إجراءاتها الأمنية، خاصة مع تزايد المخاوف من محاولة اقتحام جديدة في منتصف أغسطس. كما أن استمرار التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين رغم التصعيد يشير إلى وجود “علاقة مصلحة معقدة” قد لا تصل للقطيعة.

رغم المأساة الإنسانية، فإن الواقع القانوني والسياسي يضع عوائق كبيرة أمام هؤلاء المهاجرين. فإسبانيا قامت بتعزيز الحدود بسياج وحواجز بحرية، وأعلنت أن حدودها “ستبقى مغلقة” وأن أي محاولة لاجتيازها ستُقابل بالترحيل. كما أن تمسك مدريد بسيادتها الكاملة على المدينة يعني أن إدارة حدودها شأن داخلي، ولن تسمح بتحويلها إلى معبر مفتوح.

تكشف أزمة سبتة عن أبعاد متشابكة يصعب الفصل بينها: أزمة إنسانية للمهاجرين، وأزمة سيادة بين دولتين، وأزمة سياسية داخلية في إسبانيا، وصراع جيوسياسي دولي. فبينما يحاول آلاف المهاجرين اقتحام ما يعتبرونه بوابة أوروبا، تصر إسبانيا على إغلاق هذه البوابة في وجوههم، في مشهد يختزل تناقضات عالم يتسع فيه الفجوة بين الشمال والجنوب، وتتداخل فيه المصالح السياسية مع المآسي الإنسانية.