تتجاوز معضلة الاتفاق الإيراني-الأمريكي الأطر التقنية والنووية لتصبح مسرحاً لتضارب مصالح جيوسياسية وعقائدية عميقة؛ حيث تتداخل حسابات الداخل في واشنطن وطهران مع توازنات القوى الإقليمية والدولية لإعاقة أي تسوية شاملة. إن التعثر المتمادي في الوصول إلى صيغة مستدامة ليس وليد معضلات تفاوضية تقنية فحسب، بل هو نتيجة استراتيجية منظمة تقودها أطراف ترى في أي تقارب بين واشنطن وطهران تهديداً مباشراً لمصالحها الحيويّة أو اختلالاً في موازين القوى الإقليمية.
المحور المناهض للتسوية: الديناميات والدوافع
ينطلق المحور المناهض للاتفاق من ثلاثة مرتكزات استراتيجية تتفاوت في دوافعها وأدواتها:
الموقف الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو): يتعاطى مع الاتفاق بوصفه “خطيئة استراتيجية” تمنح النظام الإيراني شرعية دولية وتدفقات مالية تُغذّي شبكة حلفائه على امتداد الهلال الخصيب واليمن. وتترجم تل أبيب هذا الرفض عبر سياسة “المعركة بين الحروب”، المتمثلة في الاستهداف المباشر للمنشآت والكوادر وتوجيه ضربات إجهاضية لوكلاء طهران لدفع الأخيرة إلى ردود تصعيدية تُفسد البيئة الدبلوماسية.
صقور واشنطن (ماركو روبيو والتيار المحافظ): يرفض هذا التيار مبدأ المقاربات الجزئية ويطالب بتفكيك كامل ومستدام للبرنامج النووي وشبكة الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. تعتمد هذه الجبهة على أدوات التشريع والتهديد الدائم بإلغاء أي اتفاق لا يحظى بموافقة مجلس الشيوخ، مما يجرد الاتفاق من أثره الاستثماري ويدمر عامل الثقة لدى الشركات الأجنبية.
الموقف الخليجي والسعودي: شهد الموقف تحولاً من الرفض المطلق عام 2015 إلى استراتيجية “إدارة المخاطر والتطويق”. فالرياض لم تعد تسعى لنسف المسار الدبلوماسي بذاته، بل تركز على منع توقيع “اتفاق ناقص” يستثني ملف الصواريخ والأمن الإقليمي. وتتبدى هذه المقاربة في اشتراط ضمانات أمنية صارمة، بالتوازي مع جاهزية ميدانية للرد السريع عندما تتجاوز التهديدات الخطوط الحمراء الخاصة بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
تحولات تموز 2026: التصعيد الميداني والهندسة الإقليمية
شكل شهر تموز/يوليو 2026 نقطة تحول مفصلية أخرجت المواجهة من أروقة الدبلوماسية إلى ميدان الاشتباك الصلب. فقد جاء استهداف مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرات الإيرانية ليقطع شرايين التواصل اللوجستي المباشر، مما دفع الفصائل اليمنية لإعلان إنهاء التهدئة واستئناف التصعيد الموّجه ونقل المعركة إلى الممرات الملاحية في باب المندب والبحر الأحمر. وفي المقابل، جاءت الضربات الجوية المشتركة بين القوات السعودية والقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) ضد مقرات الحشد الشعبي في العراق، رداً على هجمات المسيّرات المستهدفة لبنية الطاقة في المنطقة الشرقية والرياض، لتعلن الانتقال من الردع النظري إلى العمليات العسكرية المباشرة.
تزامنت هذه التطورات الميدانية مع تحركات سياسية مكثفة تقاطعت فيها ثلاثة مسارات إقليمية ودولية متكاملة أُعيدت صياغتها بنصوص تفصيلية وشاملة:
تجسد المسار الأول في لقاء المنامة الوزاري الذي قاده ماركو روبيو مع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث جرى فرض أطر شرطية جديدة وصارمة على أي مسار تفاوضي قادم. فلم يعد الهدف التفاوضي مجرد تنظيم السلوك النووي، بل تم ربط أي إعفاء مالي أو رفع جزئي للعقوبات بتفكيك منظومات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، وإيقاف الدعم المالي واللوجستي للفصائل الإقليمية بشكل كامل، مما حصر المفاوض الإيراني في مسار يشترط تراجحه الإقليمي مقابل المكاسب الاقتصادية.
أما المسار الثاني، فتمثل في اتفاق واشنطن الإطاري الثلاثي الخاص بالساحة اللبنانية الإسرائيلية، والذي عمل كأداة هندسة استراتيجية لحياد الجبهة الشمالية وإخراجها من المعادلة. فمن خلال دعم إعادة انتشار الجيش اللبناني وتأكيد حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة، تم تفكيك بنية المواجهة غير الرسمية في الجنوب. وأدى ذلك عملياً إلى عزل ملف الحدود اللبنانية عن أدوات الضغط والتفاوض الإيرانية، وإبقاء استراتيجية “وحدة الساحات” مجردة من أحد أهم محاورها الميدانية.
وبرز المسار الثالث عبر العمليات العسكرية المباشرة في صنعاء والعراق، والتي جاءت لترجمة التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني صلب على الأرض. فمن خلال شل الشرايين اللوجستية المباشرة واستهداف مقرات ومواقع تحركات الحشد الشعبي وقوات صنعاء، فرض التحرك الأمريكي-الخليجي خطوطاً حمراء ميدانية تضع طهران أمام خيارين: إما إرغام حلفائها على التهدئة وكبح التصعيد، أو مواجهة كلفة عسكرية واقتصادية متصاعدة تشمل ضرب مراكز النفوذ الإقليمية وتعميق عزلتها الدولية.
الاختناق الاقتصادي واستغلال نقاط الضعف البنيوية
تستغل واشنطن وتل أبيب الثغرات البنيوية للاقتصاد الإيراني كأداة ضغط رئيسية لإرجاح كفة التفاوض. فالتمويل الممتد لحروب الاستنزاف يصطدم بمعدلات التضخم المرتفعة، وتآكل القدرة الشرائية للريال الإيراني، وعجز الموازنة المتفاقم. وتعمل الخزانة الأمريكية على تجفيف أوردة الاقتصاد عبر ملاحقة “أسطول الظل” الذي ينقل النفط الإيراني، وفرض عقوبات على شبكات الواجهة المصرفية، مما يرفع تكلفة اللوجستيات ويحرم الموازنة من التدفقات النقدية الصعبة.
كما تتجسد خطورة هذا التضييق في ملاحقة الحسابات والأصول والتصنيفات المالية في الخارج، مما يمنع طهران من إجراء التحويلات السريعة لتمويل حلفائها أو دعم الخدمات المحلية. وتتجلى الآلية المباشرة في تتبع شبكات الشحن والشركات الوسيطة لمنع وصول القطع الإلكترونية والمكونات دقيقة الصنع المستخدمة في التصنيع العسكري، بالتوازي مع ربط أي انفراج مالي بشرطية الالتزام الكامل بالبنود الأمنيّة.
تضع هذه الضغوط المعيشية صانع القرار في طهران أمام معضلة الموازنة بين متطلبات الردع الإقليمي والاستقرار الاجتماعي الداخلي، إذ تدرك واشنطن أن الاحتقان الداخلي الناجم عن تدهور الخدمات والأسعار يشكل كابحاً سياسياً يحد من قدرة القيادة الإيرانية على خوض مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني.
خيارات محور المقاومة ومناورات المواجهة
في مواجهة استراتيجية التطويق الثلاثية، تملك إيران وحلفاؤها مروحة من الخيارات والسيناريوهات البديلة للردع والتكيّف:
حرب الممرات واقتصاد الطاقة: تفعيل أدوات الضغط غير المتماثلة في مضيق هرمز وباب المندب لاستعراض القدرة على إحداث صدمات في أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية عبر استخدام الألغام البحرية والمسيّرات، بما يفرض كلفة اقتصادية على الغرب تُجبره على كبح التصعيد.
الاستنزاف التكتيكي الموزع: التحول نحو ضربات خاطفة منخفضة التكلفة عالية الأثر ضد المنظومات الخدمية والشبكات اللوجستية، مع تكثيف هجمات الفضاء السيبراني واستهداف القواعد البحرية والنفطية لتشتيت الجهد الدفاعي لخصومها.
رفع التكلفة عبر العتبة النووية: تسريع معدلات تخصيب اليورانيوم وتقليص الرقابة الدولية للوصول إلى وضعية “الدولة الممتلكة للخيار النووي”، بما يفرض معادلة ردع جديدة تمنع الخيارات العسكرية المباشرة وتُجبر واشنطن على إعادة تقييم التكلفة.
التكيف والالتقاء الأوراسي: تعميق الشراكات الاقتصادية والأمنية مع موسكو وبكين للتغلب على العقوبات المالية وتوفير منافذ تجارية موازية لنظام “سويفت” تضمن الحد الأدنى من الصمود الاقتصادي.
يكشف هذا المشهد المعقد عن معادلة “فيتو متقاطع”؛ حيث تعجز واشنطن وطهران عن حسم الملف دبلوماسياً دون مراعاة الشبكة المترابطة من المصالح الإقليمية والضغوط الداخلية. ومع دخول الأدوات الميدانية والعسكرية والاقتصادية خط المعركة بشكل متزامن، يظل الاستقرار الإقليمي مرهوناً بقدرة الأطراف على الوصول إلى التوازن الحرِج بين خطوط الردع الحمراء ومكاسب التسوية السياسية.
د. نبيلة عفيف غصن
