لم تكن غزة مجرد ملف حاضر في خطابات قادة العالم أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بل تحولت، منذ افتتاح جلساتها في نيويورك، إلى القضية الأكثر حضوراً في كلمات عدد من القادة والمسؤولين، الذين استخدموا المنصة الدولية للحديث عن حجم الكارثة الإنسانية في القطاع، واستمرار القتل والدمار، وتداعيات الحرب على المدنيين، إلى جانب ما يجري في الضفة الغربية من استيطان وعنف وتهجير.

“شبح التطهير العرقي”

وفي افتتاح أعمال الجمعية العامة، وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش غزة في صدارة حديثه عن الأزمات الدولية، مؤكداً أن ما أعقب أحداث السابع من أكتوبر كان هجوماً واسع النطاق على الفلسطينيين في القطاع، بحجم قتل ودمار قال إنه لم يشهد مثيلاً له خلال سنوات توليه منصب الأمين العام.

ودعا غوتيريش إلى وقف القتال والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية، مؤكداً ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية.

ولم يتوقف حديث غوتيريش عند غزة، إذ ربط ما يجري في القطاع بالتطورات في الضفة الغربية، محذراً من أن العنف والتهجير وتوسع المستوطنات يقوضون طريق السلام ويرفعون ما وصفه بـ”شبح التطهير العرقي”.

ولم يقتصر الحديث عن غزة على قادة الدول والأمين العام للأمم المتحدة، إذ طرح رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، سؤالاً مباشراً حول قدرة المنظمة الدولية على الوفاء بدورها، في وقت تتفاقم فيه الأزمات والحروب.

وأشار إلى أن الناس خارج جدران الأمم المتحدة لا يسألون فقط عما إذا كانت المنظمة موجودة، وإنما هل تعمل؟، وهو سؤال يكتسب دلالته بصورة خاصة في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في غزة وعجز المجتمع الدولي عن وقفها.

ويضع هذا الطرح الجمعية العامة أمام اختبار مباشر لمصداقية النظام الدولي وقدرته على تحويل القرارات والمواقف الدولية إلى إجراءات فعلية لحماية المدنيين وإنهاء المأساة الإنسانية في القطاع.

ومن المنصة نفسها، وصف أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ما جرى في غزة بأنه “إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى” و”وصمة عار في جبين الإنسانية”، محذراً من اتساع تداعيات العدوان إلى دول الجوار، ومؤكداً أن المنطقة تمر بإحدى أخطر مراحلها.

وقال أمير قطر إن بلاده تواصل العمل على تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والانتقال به إلى سلام دائم، مطالباً “إسرائيل” بالوفاء بتعهداتها بوقف العمليات والانسحاب من القطاع ورفع الحصار. كما وصف ما يجري في الضفة الغربية من عنف المستوطنين وسلب الفلسطينيين حقوقهم بأنه “جرح مفتوح”.

مقبرة الأطفال 

أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فاختار عبارات أكثر حدة لوصف المشهد الإنساني، قائلاً إن غزة تحولت إلى “معسكر للموت” وإنها أصبحت “المقبرة الأوسع للأطفال في العالم”، مشيراً إلى استمرار سقوط الشهداء حتى بعد وقف إطلاق النار، وإلى بقاء عائلات فلسطينية تبحث عن جثامين ذويها تحت الأنقاض.

ودعا أردوغان الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها، وطالب بزيادة الضغط على “إسرائيل” لإنهاء الحرب، كما انتقد عجز الأمم المتحدة عن أداء دورها في حفظ السلام، داعياً إلى إصلاح مجلس الأمن.

وفي الخطاب الأردني، انتقل الحديث من توصيف الكارثة الإنسانية إلى التحذير من تحولها إلى واقع سياسي وجغرافي دائم. وقال الملك عبدالله الثاني إن ما يجري في غزة يمثل محاولة لـ”محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد”، مشيراً إلى استمرار الهجمات وتدمير البنية المدنية ورفض الانسحاب وحصر الفلسطينيين في مساحة لا تتجاوز ثلث القطاع، بحسب ما ورد في خطابه.

وربط العاهل الأردني بين غزة والضفة الغربية، معتبراً أن التعامل معهما كملفين منفصلين يحجب الصورة الأوسع، محذراً في الوقت نفسه من تصاعد الاستيطان والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين في الضفة.

ومن الجانب الأوروبي، حمل خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقاداً واضحاً لاستمرار الوضع الإنساني في غزة، إذ قال إن ما يحدث هناك “مشهد يخجلنا جميعاً”، متسائلاً عن قيمة مصداقية المجتمع الدولي إذا ظل غير قادر على التحرك تجاه القطاع. وأشار إلى أن الحديث عن تحقيق السلام لم يترافق، وفق ما قال، مع فتح ممرات إنسانية في غزة.

وهكذا، بدت قاعة الجمعية العامة في دورتها الـ81 وكأنها تعيد صياغة المشهد الدولي من زاوية غزة؛ فبينما تحدث القادة عن أزمات وحروب وملفات عالمية متعددة، احتلت الكارثة الإنسانية في القطاع مساحة بارزة من الخطابات، وتكررت كلمات مثل القتل والدمار والجوع والتهجير والاستيطان ووقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية.

شاهداً دولياً

ولم يكن اللافت فقط تعدد المتحدثين عن غزة، وإنما انتقال الخطاب من عرض أرقام ومعاناة إنسانية إلى طرح أسئلة تتعلق بالقانون الدولي ومصداقية المؤسسات الدولية وقدرتها على حماية المدنيين ووقف الانتهاكات. وهو ما ظهر بوضوح في كلمة غوتيريش، الذي قال إن العالم أمام اختبار يتعلق بما إذا كانت القوة ستخضع للقانون أم تعمل خارج نطاقه، مطالباً بحماية المدنيين دون استثناء.

وبينما تواصل الأمم المتحدة عقد جلساتها تحت عنوان السلام والأمن الدوليين، كانت غزة تفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً على المنصة الدولية: من يحاسب المسؤولين عن هذه الكارثة؟ فالكلمات التي تعالت من نيويورك لم تكتفِ بوصف حجم المأساة، بل وضعت ممارسات “إسرائيل” في مواجهة اتهامات بالقتل والتجويع والتهجير وتدمير الحياة المدنية، لتصبح قاعة الجمعية العامة شاهداً دولياً على ما يجري في القطاع، واختباراً لمقدرة المجتمع الدولي على محاسبة من يقف وراء هذه الجرائم، لا الاكتفاء بتوثيقها بالكلمات.

المصدر : وكالة شهاب