في الأزمنة المفصلية، عندما تتعرض الأمم لمحاولات الاقتلاع وإعادة التشكيل، ترتفع الدعوات إلى الوحدة بوصفها المخرج الوحيد من الانهيار. ويبدو هذا الطرح اليوم أكثر إلحاحاً في ظل الحرب المفتوحة التي تستهدف المشرق العربي، حيث تتشابك مشاريع الاحتلال، والهيمنة الاقتصادية، والتفتيت الطائفي، وإعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم المشروع الصهيوني ومنظومة النفوذ الأطلسية.
من هذا الواقع ينطلق مشروع “الكتلة التاريخية العربية الإسلامية” الذي يدعو إليه الكاتب كمال بن يونس، ساعياً إلى جمع التيارات القومية والإسلامية واليسارية والإصلاحية في جبهة واحدة لمواجهة التحديات الوجودية.
إن أهمية هذا الطرح تكمن في إدراكه أن زمن المواجهات المنفردة قد انتهى، وأن القوى الاستعمارية لا تواجه شعوب المنطقة متفرقة، بل تستهدفها باعتبارها فضاءً جيوسياسياً واحداً. إلا أن إدراك طبيعة الخطر لا يكفي وحده، لأن المشروع الذي يريد مواجهة واقع معقد لا يجوز أن يُبنى على تبسيط الواقع أو تجاوز حقائقه التاريخية والاجتماعية.
فالنهضة لا تُقام على الأمنيات، والوحدة لا تُبنى بالشعارات، وإنما على فهم دقيق لطبيعة المجتمع، ولعناصر القوة، ولموازين الصراع.
حين تتحول العاطفة إلى نظرية
أخطر ما يمكن أن تقع فيه المشاريع الوحدوية هو أن تستبدل حقائق الاجتماع الإنساني بعناوين ثقافية أو دينية عامة.
فليس كل من يتكلم لغة واحدة يشكل أمة واحدة، وليس كل من يجتمع على عقيدة دينية ينتمي بالضرورة إلى مجتمع سياسي واحد. فالأمم لا تُخلق بالخطابات، بل تتكون عبر التاريخ، وتتجذر في الأرض، وتنمو داخل بيئة جغرافية واقتصادية تصوغ شخصيتها ومصالحها ووحدة حياتها.
ومن هنا، فإن تحويل العالم العربي أو الإسلامي إلى “أمة” واحدة بالمعنى السياسي يتجاوز الوقائع أكثر مما يعبر عنها. أما التعاون بين شعوبه ودوله، فهو ضرورة استراتيجية لا جدال فيها، لكنه يكتسب قوته عندما يقوم على احترام الشخصيات القومية المختلفة، لا على إلغائها.
فالتحالف الحقيقي لا يحتاج إلى ذوبان الهويات، بل إلى التقاء الإرادات.
من التقريب المذهبي إلى تحرير السياسة من الطائفية
لقد أثبتت العقود الأخيرة أن الطائفية ليست قدراً تاريخياً، بل أداة سياسية استُخدمت لإعادة إنتاج الانقسام الداخلي وربط المجتمعات بمحاور خارجية.
إن الدولة التي تجعل المواطنة أساس الانتماء، وتفصل بين السلطة السياسية والانتماءات الدينية، تسحب من أيدي مشاريع التفتيت أخطر أسلحتها. أما الاكتفاء بالدعوة إلى التقريب بين المذاهب، من دون معالجة البنية السياسية التي تُنتج الطائفية، فلن يؤدي إلا إلى تهدئة مؤقتة سرعان ما تنهار عند أول أزمة.
فلسطين… قلب الصراع لا هامشه
ليست فلسطين مجرد قضية تضامن، ولا مجرد رمز أخلاقي يوحد العرب والمسلمين، بل هي مركز الصراع على مستقبل المنطقة كلها.
فالاحتلال الصهيوني لم يُنشأ ليكون مشكلة فلسطينية فحسب، بل ليشكل قاعدة متقدمة لإعادة هندسة المشرق، والسيطرة على موارده، والتحكم بمياهه وممراته التجارية، ومنع قيام أي قوة إقليمية مستقلة.
ولهذا فإن الدفاع عن فلسطين ليس عملاً خيرياً ولا واجباً عاطفياً، بل هو دفاع عن الأمن القومي، وعن وحدة المجال الحيوي، وعن حق شعوب المنطقة في امتلاك قرارها وثرواتها ومستقبلها.
الجبهة لا تعني إلغاء الاختلاف
من أكثر الأخطاء شيوعاً الاعتقاد بأن أي جبهة مقاومة لا بد أن تقوم على توحيد المرجعيات الفكرية.
غير أن التجارب الكبرى تثبت العكس؛ فالجبهات التي صمدت في التاريخ لم تكن مؤلفة من قوى متطابقة في رؤيتها الفكرية، وإنما من قوى مختلفة أدركت أن الخطر المشترك يفرض تنسيقاً في الميدان، لا اندماجاً في العقيدة.
لا يُطلب من الإسلامي أن يتخلى عن مرجعيته، ولا من القومي أن يتبنى رؤية دينية، ولا من اليساري أن يتخلى عن أدواته الفكرية. المطلوب هو الاتفاق على برنامج وطني وسيادي واضح: مقاومة الاحتلال، حماية الأرض، صون القرار الوطني، ورفض كل مشاريع التقسيم والتبعية.
فالاختلاف الفكري ليس خطراً، أما تحويله إلى صراع داخلي فهو الهدية الأثمن التي يمكن أن تُقدَّم للمشروع الصهيوني.
لا حق بلا قوة
أحد أكبر أوهام السياسة المعاصرة هو الاعتقاد بأن العدالة وحدها كافية لتغيير موازين التاريخ.
فالحق الذي لا تحرسه القوة يبقى عرضة للمصادرة، والسيادة التي لا تستند إلى اقتصاد منتج، وإلى قدرة دفاعية، وإلى استقلال سياسي وثقافي، تتحول إلى شعار جميل بلا أثر.
ومن هنا، فإن أي مشروع نهضوي جاد لا يبدأ بالمؤتمرات، بل ببناء عناصر القوة: اقتصاد مقاوم، أمن غذائي ومائي، استقلال تكنولوجي، إعلام وطني، تكامل بين الطاقات العلمية والعسكرية والاقتصادية، وإرادة سياسية لا تخضع للابتزاز الخارجي.
من رد الفعل إلى صناعة التاريخ
إن النهضة ليست احتفالاً بالماضي، ولا اجتراراً للشعارات، بل فعل تاريخي يعيد وصل المجتمع بأرضه، ويحرره من الانقسامات المصطنعة، ويضع مصالحه العليا فوق الولاءات الضيقة، لتصبح الدولة أداة لخدمة المجتمع، لا ساحة لتقاسم النفوذ.
خاتمة
إن الحاجة إلى جبهة واسعة في مواجهة المشروع الصهيوني والإمبريالي حقيقة لا جدال فيها، لكن هذه الجبهة لن تُبنى بتلفيق العقائد أو بإلغاء الفوارق الطبيعية بين المجتمعات، وإنما بتوحيد الإرادة حول مشروع سيادي واضح، يستند إلى الحقائق لا إلى الأمنيات، وإلى المصالح المشتركة لا إلى الشعارات الفضفاضة.
فالنهضة تبدأ عندما تتحول الأمة من جمهور يتلقى الضربات إلى مجتمع يصنع القوة، ومن ساحة للصراعات المفروضة إلى مركز لإنتاج القرار. وعندها فقط يصبح التحالف قوة تاريخية قادرة على تغيير موازين الصراع، لا مجرد عنوان سياسي يذروه أول خلاف، أو تطيح به أول عاصفة.
د. نبيلة عفيف غصن