اختتمت مساء يوم الخميس فعاليات الأسبوع الثاني لأدب المقاومة والذي تنظمه الدائرة الثقافية لحزب الوحدة الشعبية، بالتعاون مع منتدى الفكر الاشتراكي ونادي أسرة القلم الثقافي، بندوة حوارية تحت عنوان “الصورة والمقاومة” في مقر منتدى الفكر الاشتراكي بمدينة إربد وسط حضور كبير من المهتمين والمثقفين. واستهلت الندوة التي قدّمها الأستاذ هوزان الصليبي بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء الأردن وفلسطين والأمة العربية.
قدم الروائي والصحافي جهاد الرنتيسي الورقة الأولى بعنوان “أيقونة خلدت الومضة” تحدّث فيها عن فضاء الكاريكاتير عند ناجي العلي بوصفه “مكاناً أقرب إلى خشبة المسرح، تقدم عليه العروض المختلفة في مواضيعها ورؤاها، يؤثثها الفنان كما يفعل المخرج والسينوغرافي”. مستحضرًا تقسيمات عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر للمكان، والتمييز بين المكان الفيزيقي والمكان الفني.
وتوقف الرنتيسي عند شخصية حنظلة باعتبارها التحول الأبرز في تجربة ناجي العلي، موضحًا كيف تحولت هذه الشخصية من طفل فلسطيني يدير ظهره للعالم إلى أيقونة عالمية تختصر ذاكرة اللجوء والمقاومة والتمسك بالهوية. كما أشار إلى أن علاقة ناجي بجمهوره تجاوزت حدود التلقي التقليدي، إذ جعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، خصوصًا عبر فكرة “لوحة المرآة” التي تدفع المشاهد إلى رؤية ذاته داخل المشهد.
وأوضح الرنتيسي أن مكونات لوحة العلي تبدلت على مدى 25 عامًا؛ حيث “صعد اللاجئ إلى خشبته، المواطن المغبون، المقاتل، الزعيم السياسي، والسمسار”، وترافقت مع “سينوغرافيا تجسد المناخات التي يدور فيها الحدث من أسلاك شائكة وجدران مهدمة وشعار وكالة الغوث”. وتحولت بعض الشخصيات إلى رموز ساخرة تكشف زيف السلطة والقوة، لافتًا إلى أن العلي اعتمد “الوعي الفطري” المستمد من جدران مخيم عين الحلوة ومن عذابات المسحوقين تاريخيا.
من جانبه قدّم الناقد والتشكيلي غازي انعيم ورقة بعنوان “الفنان التشكيلي غسان كنفاني: أنشودة المحارب.. أنشودة الأرض والحرية”، سلط الضوء على الجانب التشكيلي غير الموثق بكثافة في حياة كنفاني، واصفًا إياه بأنه أول شهداء الكلمة الفلسطينية الذين زاوجوا بين الالتزام السياسي والفعل الفني.
وأشار انعيم في ورقته إلى أن كنفاني “لم يكن نشاطه الفني التشكيلي إلا صلة وتكملة لنشاطه الثقافي”، حيث شكلت القضية الفلسطينية عنده “عنوان مرحلة ثقافية وفنية، فالأرض الفلسطينية هي مكان الصراع، وهي التي يجري من أجلها الصراع”.
واستعرضت الورقة ملامح من إنتاج كنفاني الذي شمل 36 لوحة، من أبرزها لوحتا “النازح” و”راجعون” عام 1957، وصولًا إلى تصميمه الشهير لكلمة “فلسطين” خلال فترة سجنه في مستشفى بعبدا عام 1970؛ وهو التصميم المحكم الذي يجمع خارطة فلسطين وقبة الصخرة بألوان العلم، حيث “تظهر العناصر الزخرفية مثيرة للشعور بالحركة كعنصر جوهري وحيوي”.
كما ركزت الورقة على دور كنفاني “الاستثنائي كأب للإبداع” في اكتشاف المواهب ورعايتها، مستشهدة بقصة تقديمه لرسام الكاريكاتير ناجي العلي عام 1961، حين شاهد لوحته “الخيمة” ونشر له رسوماته الأولى في مجلة “الحرية”، بالإضافة إلى تدريبه للشاب محمود الداورجي على فن الإخراج الصحفي في مجلة “الهدف”. وختم انعيم ورقته بدعوة لإنقاذ تراث كنفاني الفني الذي “ما زال التراب يغطيه”، والمطالبة بإقامة متحف خاص يضم أعماله.
وقدم الكاتب صالح حمدوني ورقة بعنوان “ناجي العلي: اغتيالاتٌ لا تنتهي”، تتبع فيها محطات تغييب الفنان ماديًا ومعنويًا. وأوضح حمدوني أن الاغتيال الأول تم برصاصة في لندن عام 1987 انتهت بنقله إلى مقبرة “بروك وود” تحت الرقم (230191)، معتبرًا تحويل الفنان إلى رقم “مفارقة قاسية لرجل أفنى حياته يرسم احتجاجاً على تذويب الفلسطيني في الأرقام”.
واسترسل حمدوني في رصد وجوه “الاغتيال المتكرر” للعلي؛ بدءًا من “اغتيال النصب التذكاري” بطول 275 سم الذي نحته شربل فارس وأطلقت عليه النيران واقتُلع من مدخل مخيم عين الحلوة بعد أيام من وضعه، مرورًا بـ “اغتيال الفيلم السينمائي” الذي أنتجه نور الشريف عام 1991 ومُنع من العرض في معظم الدول العربية نتيجة حملات صحفية وتحريضية، وصولاً إلى “الاغتيال المعرفي” المتمثل في صمت وتجاهل المؤسسات النقدية والأكاديمية الكبرى لأرشفة ودراسة نحو 40 ألف رسم أنتجها العلي خشية مواجهة مضامينها النقّادة لكل الأطراف.
واختتم حمدوني قوله: “قتل ناجي/ الفنان لأنه فضح زيف الحال الثقافي السائد؛ تلك الحال التي تبرر للسلطة قراراتها وتمنحها شرعية عشوائية مقابل رشوات ومناصب ومكاتب، قتل ناجي ودفن بعيدا عن بيته، غريبا. جمدت أصابعه على ريشته التي لم تعرف الا الحرية والوفاء للوطن والفقراء”.
وفي ختام الندوة دار حوار بين الحضور والمشاركين تناول المنجز السياسي والإبداعي لغسان كنفاني، وتجربة ناجي العلي ومسألة اغتياله والجهات المسؤولة عنها، إلى جانب أهمية توثيق ارثهما وإعادة قراءته بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية والسياسية الفلسطينية.
للمصدر: موقع نداء الوطن
