مع اقتراب حرب الإبادة “الإسرائيلية” على قطاع غزة من يومها الألف، يقف أكثر من مليوني فلسطيني أمام محطة ثقيلة تختصر واحدة من أكثر المراحل دموية في التاريخ المعاصر، بعدما تحولت المدن إلى ركام، وتشردت العائلات، وتبدلت تفاصيل الحياة اليومية بين النزوح، والجوع، وفقدان الأهل والأقارب والجيران والبيوت، وسط استمرار القصف والأزمة الإنسانية. وبات الرقم 1000 بالنسبة لسكان غزة يختزل رحلة طويلة من المعاناة، عاش خلالها المواطنون على وقع القصف، وفقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، فيما تواصلت معاناة الحصول على الغذاء، والمياه، والعلاج، مع انهيار القطاعات الخدمية واستمرار الحصار. النازحة أم يوسف الأخرس، التي تقيم في خيمة بمواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، تقول، إن الحرب سرقت منها كل ما كانت تملكه، بعدما دُمّر منزلها في رفح واضطرت للنزوح مرات عدة برفقة أطفالها، مؤكدة أن أكثر ما يؤلمها هو مرور هذه السنوات وأطفالها لا يعرفون سوى حياة الخيام والخوف. وأضافت الأخرس، في حديثها لوكالة شهاب، أن تأمين وجبة طعام أو جالون مياه بات يشكل تحديًا يوميًا، بينما يعيش الأطفال حالة دائمة من القلق والحرمان، معربة عن أملها بأن يتغير الحال في القطاع، وأن يعيش أطفالها أيامًا أفضل. بدوره، قال المواطن أبو خالد خليفة، إن ألف يوم من الحرب كانت كافية لتغيير ملامح غزة بالكامل، مشيرًا إلى أن الناس فقدوا بيوتهم وأعمالهم وأقاربهم، فيما أصبحت الحياة اليومية قائمة على البحث عن أبسط مقومات البقاء. وأوضح خليفة، في حديثه لشهاب، أن الناس في غزة لم يعودوا يفكرون بالمستقبل بقدر ما يفكرون بكيفية النجاة من يومهم، في ظل استمرار القصف، وانعدام الخدمات، وصعوبة تأمين الغذاء والدواء، مضيفًا أن الغزيين يتمسكون بالأمل رغم حجم الكارثة التي يعيشونها. من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، محمد مصطفى شاهين، إن مرور الحرب على قطاع غزة بيومها الألف لا يعني عدوانًا “إسرائيليًا” عابرًا أو معركة محدودة، بل حقبة كاملة من التدمير المنهجي وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة المسلحة، موضحًا أن ألف يوم من الحرب تعني ألف يوم من القتل، والتجويع، والحصار، والنزوح، والإبادة المركبة التي استهدفت الإنسان، والحجر، والذاكرة الوطنية في آن واحد. وأوضح، في مقال له بعنوان ” ألف يوم من الإبادة الإسرائيلية وهدنة تحت النار”، أن هذه الحرب خلّفت واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر، مع عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ومئات آلاف النازحين، ومدن كاملة تحولت إلى ركام، وبنية تحتية جرى تدميرها بصورة ممنهجة، بما في ذلك المستشفيات، والمدارس، والجامعات، والمساجد، والكنائس، والمناطق الأثرية، وشبكات المياه والكهرباء، مؤكدًا أن حجم التدمير يكشف عن استراتيجية عسكرية قائمة على العقاب الجماعي وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة. وأشار إلى أن المجازر التي ارتُكبت بحق الأطفال والنساء والمدنيين العزّل تمثل وصمة قانونية وأخلاقية في جبين النظام الدولي الذي يمارس ازدواجية المعايير، مبينًا أن الطفل الفلسطيني تحول إلى هدف مكشوف في معادلة النار، فيما دفعت المرأة الفلسطينية أثمانًا مضاعفة بين الفقد، والنزوح، والجوع، والحرمان، وأن الشهادات الإنسانية للناجين تظهر أن الحرب لم تستهدف الأجساد فقط، بل استهدفت البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني عبر نشر الصدمة الجماعية، وتفكيك الأسر، وإنتاج أجيال تحمل ندوبًا نفسية عميقة. وأضاف أن ما جرى خلال ألف يوم يثير، من منظور القانون الدولي، توصيفات قانونية تتعلق بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية، وفقًا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، لافتًا إلى أن الاستهداف المتكرر للمدنيين، وتدمير المرافق المدنية، واستخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب، يشكل مادة اتهام ثقيلة ستبقى تلاحق الاحتلال سياسيًا وقضائيًا. وبيّن أن الإبادة لم تتوقف حتى خلال فترات الهدنة المعلنة، إذ تحولت الهدنة إلى مرحلة أخرى من الانتهاكات والخروقات الميدانية، مع استمرار عمليات القصف، والاستهداف، وإطلاق النار على المدنيين، وقتل مواطنين أثناء محاولتهم تأمين الغذاء والماء أو البحث عن مصادر رزقهم المحدودة. وأكد أن استهداف المواطنين خلال سعيهم إلى تأمين احتياجاتهم المعيشية يكشف عن طبيعة الحرب القائمة على إنهاك المجتمع وتجريده من مقومات البقاء، موضحًا أن الاحتلال لا يكتفي بتدمير البيوت، بل يلاحق الإنسان في لقمة خبزه، وفي طابور المساعدات، وفي رحلته اليومية للبحث عن الماء والدواء، وسط حديث قوي عن إعداد خطط إسرائيلية لتهجير السكان قسرًا.

وأوضح أن استمرار الانتهاكات خلال الهدنة ينسف الرواية “الإسرائيلية” التي تحاول تسويق نفسها أمام العالم بوصفها طرفًا ملتزمًا بالتهدئة، مؤكدًا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة ما زالت تحكم العدوان العسكري الإسرائيلي، وأن مفهوم التهدئة بالنسبة للاحتلال ليس سوى إعادة تموضع تكتيكية تتيح له استكمال أهدافه الاستراتيجية، مشيرًا إلى أنه خلال الهدنة استشهد ما يزيد على ألف إنسان، واخترقت الهدنة آلاف المرات، وتمدد الخط الأصفر لتسيطر “إسرائيل” على 70% من مساحة القطاع المحدود جغرافيًا، وتفرض الحصار الخانق على ما تبقى من القطاع ماليًا، ومائيًا، وغذائيًا، وعسكريًا، من الأرض والجو والبحر، وسط صمت دولي مؤلم لنفوس المظلومين في غزة. وشدد على أن أيام الحرب الألف كشفت عن أزمة عميقة في النظام الدولي، وعجز مؤسساته عن حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي الإنساني، كما أثبتت أن القضية الفلسطينية ما زالت تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية القيم التي يرفعها العالم تحت عناوين حقوق الإنسان والعدالة الدولية. وذكر أن توثيق هذه الحقبة ليس عملًا إعلاميًا فحسب، بل واجب تاريخي وأخلاقي وقانوني، وأن الرواية الفلسطينية مطالبة اليوم بتثبيت الذاكرة الوطنية، وحفظ أسماء الضحايا، وتوثيق الجرائم، وكشف تفاصيل الإبادة أمام الرأي العام العالمي، لأن الحروب تنتهي يومًا، لكن الذاكرة لا تموت، والجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، والشعوب التي تحفظ سرديتها وتدافع عنها قادرة، في النهاية، على تحويل الألم إلى قوة، والصمود إلى مشروع تحرر وطني طويل النفس. ووفق الإحصاءات التراكمية منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى 73,058 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 173,488 إصابة، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتواصلة في القطاع، وسط استمرار خروقات الاحتلال بغزة وانهيار المنظومة الصحية.

المصدر : شهاب