في خطوة حازمة تهدف إلى حماية الأمن القومي وتطهير المناطق الحدودية من بؤر الإرهاب التكفيري والانفصالي، نفذت قوات حرس الثورة الإسلامية سلسلة من العمليات النوعية في محافظتي كرمانشاه وأذربيجان الغربية. تأتي هذه العمليات رداً على محاولات يائسة تقوم بها جماعات مسلحة مدعومة من قوى استعمارية لزعزعة استقرار البلاد في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة.
سياق المواجهة: “أمن الداخل” هو خط أحمر
يأتي التصعيد في الشمال الغربي الإيراني في وقت تلوح فيه في الأفق ملامح “نصر استراتيجي” للمحور، متمثلاً في تراجع الهيمنة الأمريكية ومحاولاتها لفرض شروطها. إن التحركات المسلحة الأخيرة ليست سوى “رسائل يأس” من جهات تدرك أن استقرار الجمهورية الإسلامية هو صمام الأمان لقوى المقاومة.
ردع التسلل: إن العملية التي نفذها الحرس الثوري في المناطق الجبلية بين “بيرانشهر” و”مهاباد” تؤكد يقظة المقاومة في التصدي لأي خروقات حدودية من أراضي إقليم كردستان العراق، والتي تُستخدم للأسف كقواعد انطلاق لعمليات تخريبية تخدم أجندات خارجية.
تطهير الجبهة الداخلية: إن القضاء على الخلايا الإرهابية في “باوه” يعكس إصرار القيادة الإيرانية على عدم السماح بأي ثغرة في جبهتها الداخلية، خاصة وأن القوى المعادية تحاول تفعيل “الورقة العرقية” كبديل عن فشل خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران.
عقيدة الردع: رسائل الحرس الثوري للأطراف الإقليمية
إن إصرار الحرس الثوري على “تطهير الحدود” يمثل تحولاً في العقيدة الأمنية الإيرانية من “الاحتواء” إلى “الاستباق الهجومي”، حيث تحمل الرسالة الموجهة للجيران والمراقبين الدوليين أبعاداً حاسمة:
.1 قواعد اشتباك جديدة: لم تعد طهران تكتفي بالاحتجاجات الدبلوماسية؛ فالرسالة واضحة: “السيادة الوطنية خط أحمر، ومن يعجز عن ضبط حدوده، فسيجد قواتنا تفرض هذا الضبط بنفسها”. الحدود لم تعد خطوطاً سياسية بل مساحات أمنية مفتوحة للعمليات العسكرية إذا اقتضت الضرورة.
.2 فصل المسارات: تؤكد طهران أن المسارات الدبلوماسية (مثل “مذكرة إسلام آباد”) لا تعني بأي حال تعطيل القبضة الأمنية الإيرانية. أمن الداخل غير خاضع للمساومة، والمفاوضات الخارجية لا تمنح الخصوم أي فرصة لاستغلال “التهدئة” لزعزعة الاستقرار الداخلي.
.3 كلفة التواطؤ: إن احتضان الجماعات المسلحة وتوفير الملاذ لها لن يحمي تلك الأطراف من الرد الإيراني، بل سيحول أراضيها إلى ساحة للصدام. الهدف هو فرض حالة من “الرعب الاستراتيجي” على من يظن أن دعم هذه الجماعات وسيلة غير مكلفة للضغط على طهران.
إن محاولات القوى المعادية لإعادة إحياء “الورقة الكردية” أو تحريك أدواتها الأمنية لن تفضي إلا إلى مزيد من الانكشاف لهذه الأدوات وسرعة القضاء عليها. إن ما يقوم به الحرس الثوري اليوم هو تأكيد على أن “توازن القوى” الميداني الذي فُرض بفعل المقاومة سينعكس بالضرورة على الداخل، حيث لا مكان للمخربين أو المأجورين.
خلاصة القول: إن رسالة إيران هي “الاستقرار مقابل السيادة”. فإيران تبلغ جيرانها بأن استقرار المنطقة مرهون بمدى تعاونهم في كبح جماح الجماعات التي تهدد أمنها، وإذا لم تلتزم تلك الأطراف بهذا الشرط، فإن طهران لن تنتظر إذناً من أحد لتأمين عمقها الاستراتيجي، وهو ما يعيد تشكيل علاقات إيران الإقليمية من منطق “الجيرة” التقليدي إلى منطق “الضبط القسري للأمن” لحماية انتصارات المحور الكبرى.
د. نبيلة عفيف غصن
