مقدمة: في مواجهة “الهندسة الاستعمارية” للموت
في لحظات التاريخ الفاصلة، لا تُقاس الأمم بما تملكه من ترسانات، بل بما تمتلكه من إرادة للبقاء حين تُستهدف أصولها الوجودية. إن ما يتعرض له الشعب السوري اليوم ليس مجرد تداعيات صراع سياسي عابر، بل هو “هندسة استعمارية” للموت، تعتمد على تجفيف منابع الحياة وتحويل الجغرافيا من بيئة حاضنة للوجود إلى سلاح فتاك يستهدف الإنسان، والأرض، ومستقبل الأجيال. إنَّ سياسة التلاعب بملف المياه التي ينتهجها النظام التركي ليست مجرد خلاف فني، بل هي “جريمة ضد الإنسانية” تتقنع بـ”ديكتاتورية الجغرافيا”، وهي في حقيقتها “ديكتاتورية هيمنة” ترفض الاعتراف بأدنى حق للجوار.
أولاً: حين يصبح الماء “سلاح دمار شامل”
لقد أصبحت استراتيجية التجويع الممنهجة التي تُدار من الجوار الشمالي واضحة المعالم، حيث يتم تحويل مياه الفرات ودجلة من “حق تاريخي” للشعوب إلى “ورقة ضغط سياسي”. هذا الفعل العدائي يُصنف ضمن جرائم الحرب، حيث يُستخدم شريان الحياة في شمال وشرق سوريا كأداة إخضاع [1].
- عطش الملايين: إن مشهد جفاف مجرى الفرات ليس مجرد تقرير عن منسوب مياه، بل هو سجل يومي لمعاناة الملايين في حلب والرقة ودير الزور، الذين يواجهون “عطشاً قسرياً” يهدد أبسط مقومات البقاء [2].
- الإبادة الزراعية: قطع المياه هو حكم إعدام صريح على “سلة غذاء سوريا”. إن تدمير ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة ليس صدفة، بل هو استهداف مقصود للأمن الغذائي لتركيع المنطقة عبر سلاح “التجويع التنموي” [3].
ثانياً: سدّودٌ تحبس الحياة.. وتفيض بالموت
إنَّ المفارقة المأساوية تكمن في ذلك الخطاب المتناقض للطرف المعتدي؛ إذ يمارسون “استعلاءً مائياً” يفتقر لأدنى أخلاقيات الجوار. يحبسون المياه عن أصحاب الحق في أوقات الجفاف، ثم يفتحون بوابات سدودهم دون سابق إنذار، فيحيلون حقولنا وبيوتنا إلى مقابر مائية [4]. إنهم ينتهكون حرمة التواقيع الدولية، وينكرون دعمهم للمجموعات المسلحة، متجاهلين أن الحقائق على الأرض تصرخ بأن الاحتلال ليس عسكرياً فحسب، بل هو احتلالٌ وجودي لكل ما ينبض بالحياة في الشمال السوري.
ثالثاً: استراتيجية “السيادة الشعبية”.. بديلٌ عن التبعية
بما أن المؤسسات الرسمية الحالية تظهر في حالة من التبعية والعجز عن استرداد الحقوق، فإنه لا بد من إعلان ميلاد “الاستراتيجية الشعبية للمياه”، حيث الشعب هو المؤسسة الوطنية البديلة وصاحب السيادة:
- جيش التوثيق الرقمي: تحويل كل مواطن في حلب والرقة ودير الزور إلى مراسل ميداني؛ بإنشاء منصات شعبية لتوثيق يومي لمنسوب المياه بالصور والإحداثيات، وإطلاق “خريطة إبادة” تفاعلية تُترجم للعالم لتجاوز التضليل الرسمي.
- اللوبي المائي في الشتات: تحويل الجاليات السورية في المهجر إلى “لوبي ضاغط” يستخدم قوانين “الولاية القضائية العالمية” لرفع دعاوى قضائية دولية ضد المتورطين في قطع المياه كجرائم ضد الإنسانية.
- الاقتصاد المقاوم: إحياء تقنيات الري القديمة، وتشجيع زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف، وإنشاء “صناديق تكافل شعبية” لحفر آبار ارتوازية مجتمعية تضمن بقاء الفلاح في أرضه بعيداً عن تحكم أدوات الاحتلال.
- حرب السردية والمقاطعة: فضح “ديكتاتورية الجغرافيا” عالمياً كـوسم دولي، ومقاطعة اقتصادية شاملة لأي كيان أو شركة تدعم البنية التحتية للاحتلال في الشمال.
رابعاً: السوريون.. وما بعد “ديكتاتورية الجغرافيا”
إنَّ هذه الجغرافيا ليست ساحة للعبث الجيوسياسي، بل هي أمانة الأجداد. إنَّ “ديكتاتورية الجغرافيا” التي يسعون لفرضها هي محاولة يائسة لمحاصرة الإرادة السورية؛ لكن السوريين الذين صمدوا أمام أعاصير الأزمات، لن تنكسر إرادتهم أمام عطشٍ مفتعل.
نداء السيادة
إلى كل سوري حر: إنَّ الخلاص لا يكمن في دهاليز الوساطات التابعة أو بيانات الإدانة الجوفاء، بل في استنهاض “الوعي النهضوي” الذي يضع السيادة فوق كل اعتبار. إنَّ سوريتكم هي البوصلة الوحيدة، والمقاومة اليوم تبدأ من التمسك بكل قطرة ماء، وبكل شبر أرض، وبالإيمان المطلق بأنَّ الحقوق تُنتزع ولا تُوهب. إنَّ أحد أهم وسائل انتزاع الحقوق يأتي عبر “تضييق الخناق الدولي” على المعتدي من خلال تحويل أفعاله إلى ملفات موثقة تدين مشروعه أمام العالم. لا تطلبوا الحق، بل خذوه؛ فأنتم الحراس الوحيدون لهذه الأرض.
الهوامش والمراجع:
[1] للمزيد حول استراتيجيات التجويع المائي، يُراجع: تقارير مراكز الأبحاث المستقلة حول انتهاكات اتفاقيات تقاسم المياه الدولية.
[2] تقارير الأمم المتحدة حول الأمن المائي في حوض الفرات (تأثير النزاعات على الوصول إلى مياه الشرب).
[3] انظر: دراسات الأثر الاقتصادي لقطع المياه عن الشمال السوري (مراكز بحثية سورية مستقلة).
[4] حول سياسات السدود: “الدبلوماسية المائية: سلاح الهيمنة في الشرق الأوسط”، دراسة منشورة في دوريات الشؤون الدولية.
[5] اتفاقية أضنة (1998) – النصوص الرسمية المتعلقة بتنظيم الحصص المائية.
[6] تقارير حقوقية حول الأوضاع الميدانية في الشمال السوري (2018-2026).
د. نبيلة عفيف غصن
