في لحظة إقليمية مشتعلة، يُدفع لبنان دفعاً نحو طاولةٍ لا تشبهه، وإلى تسويةٍ لا تُصاغ بشروطه، بل تحت ضغط النار والدم والخراب. تتكاثر التسريبات عن “عرض أميركي” يصل إلى مليار دولار، مقابل صورة سياسية: لقاء بين رأس الدولة اللبنانية ورئيس حكومة الكيان الصهيوني في واشنطن. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: هل هذه أموال حقيقية أم طُعم سياسي؟ وهل نحن أمام فرصة إنقاذ أم أمام عملية ابتزاز مموّهة بالدبلوماسية؟
أولاً: “المليار الأميركي”… بين الإغراء والتضليل
ما يُسرَّب عن استعداد واشنطن لدفع مليار دولار للبنان ليس تفصيلاً مالياً، بل أداة سياسية بامتياز. التجربة الحديثة وحدها تكفي لإسقاط مصداقية هذا النوع من الوعود. منذ أكثر من عام ونصف، ولبنان يسمع تعهدات متكررة من الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية والخليجية: دعم، إعادة تأهيل، تمويل مشروط، برامج إنقاذ. لكن النتيجة صفر.
لم يصل دولار واحد جدّي لإعادة بناء الجنوب، ولا لإعادة الناس إلى قراهم بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. الوعود بقيت حبراً على ورق، فيما الوقائع على الأرض كانت معاكسة: اعتداءات مستمرة، تدمير ممنهج، وتوسّع في الاحتلال. هذه ليست قراءة عاطفية، بل سجلّ سياسي موثّق: واشنطن لا تدفع، بل تفاوض بالوعود.
ثانياً: لماذا الآن؟ ضعف واشنطن لا كرمها
التوقيت ليس بريئاً. الحديث عن “مليار دولار” يتقاطع مع حاجة داخلية أميركية ضاغطة. إدارة ترامب، وفق هذا الطرح، ليست في موقع القوة بل في موقع البحث عن إنجاز خارجي سريع. فشل المواجهة مع إيران، وتراجع القدرة على فرض وقائع حاسمة في الإقليم، جعلا البيت الأبيض يبحث عن صورة: لقاء، مصافحة، إعلان “سلام”.
هنا يصبح لبنان أداة في حملة انتخابية أميركية، كما يصبح نتنياهو شريكاً في تسويق إنجاز يحتاجه هو الآخر في معاركه الداخلية. أي أن ما يُعرض ليس دعماً للبنان، بل استثماراً في صورتهما السياسية. والفرق كبير بين من يساعدك لتنهض، ومن يستخدمك ليصعد.
ثالثاً: تجربة الوعود… من لبنان إلى سوريا
من يظن أن هذه المرة مختلفة، عليه أن ينظر حوله. في سوريا، وُعدت السلطة الجديدة باستثمارات بمليارات الدولارات، خصوصاً من السعودية ودول الخليج. عُقدت المؤتمرات، وأُطلقت التصريحات، لكن شيئاً لم يتحقق. الاستثناء الوحيد كان الدعم القطري المحدود، الذي اقتصر على مساعدات ورواتب.
الأمر نفسه تكرر في لبنان: وعود خليجية مشروطة، ضغط أميركي لتعليقها، ونتيجة واحدة: لا أموال، ولا إعادة إعمار، ولا حتى إعادة تأهيل جدّية. هذا النمط ليس صدفة، بل سياسة: إبقاء الدول في حالة انتظار دائم، وربط أي دعم بشروط سياسية تتبدل باستمرار.
رابعاً: بين خيارين سيئين… أي طريق يسلك لبنان؟
لا يمكن إنكار أن لبنان يقف أمام خيارات قاسية. المسار العسكري مكلف ومدمّر، وهذا واقع. لكن المسار التفاوضي المطروح حالياً ليس أقل خطورة، لأنه يجري من موقع ضعف، وتحت النار، ومن دون أوراق قوة واضحة في يد السلطة السياسية.
التفاوض ليس مجرد جلوس إلى الطاولة، بل توازن قوى. والتاريخ واضح: لا مفاوضات ناجحة بلا أوراق ضغط. التجربة المصرية نفسها تُستخدم اليوم بشكل مشوّه. أنور السادات لم يبدأ بلقاء القادة، بل أنهى به مساراً طويلاً من المفاوضات العسكرية والسياسية، بدأ من اتفاقات فصل القوات (الكيلومتر 101) وصولاً إلى كامب ديفيد.
أما القفز مباشرة إلى لقاء مع نتنياهو، فهو ليس تتويجاً لمسار، بل استسلام لشروطه.
خامساً: الخلل الداخلي… غياب الرؤية الوطنية
المشكلة الأخطر ليست في الخارج فقط، بل في الداخل. ما يتسرّب عن غياب خطة تفاوضية واضحة لدى السلطة السياسية يطرح علامات استفهام كبرى. كيف يمكن لدولة أن تدخل مفاوضات مصيرية بلا استراتيجية؟ بلا تنسيق داخلي؟ بلا تكامل بين عناصر القوة لديها؟
الحقيقة التي يتم تجاهلها أو محاولة تهميشها هي أن المقاومة تشكّل أحد أبرز أوراق القوة اللبنانية. سواء اتفق معها البعض أو اختلف، فإن أي خطة تفاوضية لا تستند إلى عناصر القوة الفعلية على الأرض هي خطة ناقصة، بل مشلولة.
التجارب العالمية، من فيتنام إلى الجزائر، تثبت أن حركات التحرر لم تنتصر لأنها كانت الأقوى عسكرياً، بل لأنها أحسنت إدارة صراع طويل النفس، يجمع بين العمل الميداني والسياسي والدبلوماسي.
سادساً: وهم “الحماية الأميركية”
أحد أخطر الأوهام التي تُسوّق هو أن التقارب مع واشنطن يمكن أن يؤمّن “حماية” للبنان. الوقائع تنسف هذا الادعاء. منذ وقف إطلاق النار الأخير، لم تتمكن الولايات المتحدة من إلزام الكيان الصهيوني بأي تهدئة حقيقية. القصف مستمر، والتدمير مستمر، والتوسع مستمر.
فأي حماية هذه التي لا توقف عدواناً يومياً؟ وأي ضمانات يمكن الوثوق بها، فيما التجربة تثبت العكس تماماً؟
سابعاً: نحو مقاربة مختلفة… لا خضوع تحت النار
لبنان ليس مضطراً للاختيار بين الاستسلام أو الانتحار. هناك خيار ثالث، لكنه يتطلب إرادة سياسية: بناء موقف وطني موحّد، يستند إلى عناصر القوة الفعلية، ويخوض التفاوض من موقع الندّية لا التبعية.
هذا يعني أولاً وقف الانجرار وراء الإغراءات المالية الوهمية، وثانياً رفض تحويل لبنان إلى منصة دعائية لانتخابات الآخرين، وثالثاً إعادة الاعتبار لفكرة أن السيادة لا تُشترى بمليار دولار، ولا تُختصر بصورة في البيت الأبيض.
خاتمة: السيادة لا تُقايض
ما يُطرح اليوم ليس صفقة مالية، بل اختبار وجودي. هل يتحول لبنان إلى ورقة في لعبة أمم، أم يستعيد موقعه كفاعل يمتلك قراره؟
المليار الموعود قد لا يكون سوى سراب، لكن الثمن المطلوب حقيقي وخطير: تطبيع سياسي، تنازل استراتيجي، وضرب لما تبقى من عناصر القوة الوطنية.
في لحظات كهذه، لا يكفي أن نبحث عن “الأقل سوءاً”، بل يجب أن نعيد تعريف المعادلة نفسها. فالشعوب التي انتصرت في التاريخ لم تفعل ذلك لأنها اختارت الطريق الأسهل، بل لأنها رفضت أن تُدار من الخارج، وقررت أن تدفع ثمن حريتها بوعي، لا أن تبيعها بوهم.
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يُكتب كمجرد سطر في إنجازات الآخرين، أو أن يكتب بنفسه معادلة الصمود والسيادة.

د.نبيلة عفيف غصن